الابن على الأبوين لا يمنع ذلك برّهما ، بل من برّهما أن يشهد عليهما بالحق ، ويخلّصهما من الباطل ، وهو من قوله تعالى (١) : (قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً) في بعض معانيه.
وقد اتفقت الأمة على قبول شهادة الابن على الأبوين ، فإن شهد لهما أو شهدا له وهي : المسألة الثامنة ـ فقد اختلف العلماء فيها قديما وحديثا ؛ فقال ابن شهاب : كان من مضى من السلف الصالح يجيزون شهادة الوالد والأخ لأخيه ، ويتأوّلون في ذلك قول الله سبحانه : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ ، وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ) ؛ فلم يكن أحد يتّهم في ذلك من السلف الصالح ، ثم ظهرت من الناس أمور حملت الولاة على اتهامهم ، فتركت شهادة من يتهم ، وصار ذلك لا يجوز في الولد والوالد والأخ والزوج والمرأة ، وهو مذهب الحسن والنخعي والشعبي وشريح ومالك والثوري والشافعى وأحمد بن حنبل أنه لا تجوز شهادة الوالد للولد ، وقد أجاز قوم شهادة بعضهم لبعض إذا كانوا عدولا.
وروى عن عمر أنه أجازه ، وكذلك روى عن عمر بن عبد العزيز ، وبه قال إسحاق وأبو ثور (٢) والمزني.
ومذهب مالك جواز شهادة الأخ لأخيه إذا كان عدلا إلا في النسب.
وروى ابن وهب عن مالك أنه (٣) لا تجوز إذا كان في عياله أو في نصيب من مال يرثه ، ولا تجوز عند مالك شهادة الزوج والمرأة أحدهما للآخر ؛ وأجازه الشافعى.
ولا تجوز شهادة الصديق الملاطف عنده ، ولا إذا كان في عياله.
والمختار عندي أن أصل الشريعة لا تجوز شهادة الوالد للولد ولا الولد للوالد لما بينهما من البعضية ؛ قال النبي صلّى الله عليه وسلّم : إنما فاطمة بضعة منى يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها. وشهادة الإنسان لنفسه لا تجوز ، إلا أن من تقدم قال : إنه كان يسامح فيه ؛ وما روى قطّ أحد أنه نفذ قضاء بشهادة ولد لوالده ولا والد لولده ، وإنما معنى المسامحة فيه أنهم كانوا لا يصرّحون بردّها ، ولا يحذّرون منها لصلاح الناس ، فلما فسدوا وقع التحذير ، ونبّه العلماء على الأصل ، فظنّ من تغافل أو غفل أنّ الماضين جوّزوها ، وما كان ذلك
__________________
(١) سورة التحريم ، آية ٦
(٢) في القرطبي : والثوري.
(٣) في القرطبي : إنها.
![أحكام القرآن [ ج ١ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3218_ahkam-alquran-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
