وقد بينّا أن علّة النهى تحزين الواحد ، وهو موجود في كل موضع ، وكلما كثر العدد كان التحزين أكثر ، فيكون المنع آكد.
المسألة الرابعة ـ إذا ثبت أنّ نهى النبي صلّى الله عليه وسلّم معلّل بتحزين الواحد فإذا استأذنه فإذن له جاز ولم يحرم. والله عز وجل أعلم.
الآية الحادية والخمسون ـ قوله تعالى (١) : (وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ ، وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً).
فيها ثماني مسائل :
المسألة الأولى ـ روى أبو الأحوص قال : أتيت النبىّ صلّى الله عليه وسلّم قشف الهيئة ، فصعّد فىّ النظر وصوّبه فقال : هل لك من مال؟ قلت : نعم : قال : من أى المال؟ قلت : من كل المال آتاني الله فأكثر وأطيب (٢) ؛ الخيل والإبل والرقيق والغنم. قال : فإذا آتاك الله مالا فلير عليك. ثم قال : هل تنتج إبل قومك صحاحا آذانها فتعمد إلى الموسى فتشق آذانها ، فتقول : هذه بحر ؛ وتشق جلودها ، وتقول : هذه صرم (٣) لتحرّمها عليك وعلى أهلك؟ قال : قلت : أجل. قال : فكلّ ما آتاك الله حلّ وموسى الله أحدّ ، وساعده أشدّ ... الحديث.
المسألة الثانية ـ لما كان من إبليس ما كان من الامتناع من السجود والاعتراض على الآمر به بالتسفيه أنفذ الله فيه حكمه وأحقّ عليه لعنته ، فسأله النظرة ، فأعطاه إياها زيادة في لعنته ، فقال لربه : (لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً. وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ ، وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ ، وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ) ، وكان ما أراد ، وفعلت العرب ما وعد به الشيطان ، كما تقدم في الحديث ، وذلك تعذيب للحيوان وتحريم ، وتحليل بالطغيان ، وقول بغير حجة ولا برهان ، والآذان في الأنعام جمال ومنفعة ، فلذلك رأى الشيطان أن يغيّر بها خلق الله تعالى ، ويركب على ذلك التغيير الكفر به ، لا جرم أنّ النبىّ صلّى الله عليه وسلّم أمر في الأضحية أن تستشرف العين والآذان في الأنعام ، معناه أن تلحظ الأذن ؛ لئلا تكون مقطوعة أو مشقوقة ؛ فتجتنب من جهة أن فيها أثر الشيطان.
__________________
(١) الآية التاسعة عشرة بعد المائة.
(٢) في ا : رابطت.
(٣) بحر : جمع بحيرة : مشقوقة الأذن. الصرم : جمع صريم ، وهو الذي صرمت أذنه ، أى قطعت (النهاية).
![أحكام القرآن [ ج ١ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3218_ahkam-alquran-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
