فالنجوى خلاف هذين الأصلين ، وبعد هذا فلم يكن بدّ للخلق من أمر يختصّون به في أنفسهم ، ويخصّ به بعضهم بعضا ، فرخص في ذلك بصفة الأمر بالمعروف ؛ والحثّ على الصدقة ، والسعى في إصلاح ذات البين.
إذا ثبت هذا الأصل ففيها أربع مسائل :
المسألة الأولى ـ قوله تعالى : (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ) :
يحتمل أن يكون النّجوى مصدرا ، كالبلوى والعدوى ، ويحتمل أن يكون اسما للمنتجين كما قال (١) : (وَإِذْ هُمْ نَجْوى).
فإن كان بمعنى المنتجين فقوله : (إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ) استثناء شخص من شخص ، وإن كان مصدرا جاز الاستثناء على حذف تقديره : إلا نجوى من أمر بصدقة.
المسألة الثانية ـ في صفة النجوى :
ثبت عن ابن عمر أنّ النبىّ صلّى الله عليه وسلّم قال : إذا كان ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون واحد.
واختلف في ذلك على أربعة أقوال :
الأول ـ ما جاء في الحديث الصحيح : فإن ذلك يحزنه ، وهو ضرر ؛ والضرر لا يحلّ بإجماع ، وبالنص : لا ضرر ولا ضرار.
الثاني ـ أنّ ذلك كان في صدر الإسلام حين كان الناس بين مؤمن وكافر ومنافق ومخلص ، حتى فشا الإسلام فسقط اعتبار ذلك.
الثالث ـ أنّ ذلك في السفر حيث يتوقّع الرجل على نفسه من حيلة لا يمكنه دفعها.
الرابع ـ أنه من حسن الأخلاق وجميل الأدب ؛ وهو راجع إلى الأول.
والصحيح بقاء النهى وتمادى الأمر وعمومه في الحضر والسفر. والدليل عليه قوله صلّى الله عليه وسلّم في الحديث. مخافة أن يحزنه. وأيضا فإنّ ابن عمر كان يمشى مع عبد الله ابن دينار ، فأراد رجل أن يكلّمه فدعا رابعا ، وأوقفه مع عبد الله بن دينار ريثما تكلّم الرجل.
المسألة الثالثة ـ قال ابن القاسم عن مالك : لا يتناجى ثلاثة دون ـ يعنى أربع (٢) ، وهذا صحيح ؛ لأنّ العلة إذا علمت بالنظر اطردت حيثما وجدت ، وتعلّق الحكم بها أينما كانت.
__________________
(١) سورة الإسراء ، آية ٤٧
(٢) في ا : رابعا.
![أحكام القرآن [ ج ١ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3218_ahkam-alquran-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
