وقد قالت طائفة : اللّمس هنا الجماع.
وقالت أخرى : هو اللمس المطلق لغة أو شرعا ؛ فأما اللغة فقد قال المبرد : لمستم : وطئتم ، ولامستم : قبّلتم ؛ لأنها لا تكون إلا من اثنين ، والذي يكون بقصد وفعل من المرأة هو التقبيل ، فأما الوطء فلا عمل لها فيه.
قال أبو عمرو : الملامسة الجماع ، واللمس لسائر الجسد ، وهذا كلّه استقراء لا نقل فيه عن العرب.
وحقيقة النّقل أنه كله سواء ؛ «وإن لمستم» محتمل للمعنيين جميعا ، كقوله : لامستم ، ولذلك لا يشترط لفعل الرجل شيء من المرأة.
وقد قال ابن عباس : إنّ الله تعالى حيي كريم يعفّ (١) ؛ كنى باللمس عن الجماع.
وقال ابن عمر : قبلة الرجل امرأته وجسّها بيده من الملامسة ، وكذلك قال ابن مسعود ، وهو كوفى ، فما بال أبى حنيفة خالفه؟ ولو كان معنى القراءتين مختلفين لجعلنا لكلّ قراءة حكمها ، وجعلناهما بمنزلة الآيتين ، ولم يتناقض ذلك ولا تعارض ؛ وهذا تمهيد المسألة.
ويكمله ويؤكده ويوضحه أنّ قوله : (وَلا جُنُباً) أفاد الجماع ، وأن قوله تعالى : (أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ) أفاد الحدث ، وأنّ قوله : (أَوْ لامَسْتُمُ) أفاد اللمس والقبل ؛ فصارت ثلاث جمل لثلاثة أحكام ، وهذا غاية في العلم والإعلام ، ولو كان المراد باللمس الجماع لكان تكرارا ، وكلام الحكيم يتنزّه عنه ، والله أعلم.
فإن قيل : ذكر الله سبحانه الجنابة ولم يذكر سببها ، فلما ذكر سبب الحدث ـ وهو المجيء من الغائط ـ ذكر سبب الجنابة ، وهو الملامسة للجماع ؛ ليفيد أيضا بيان حكم الحدث والجنابة عند عدم الماء ، كما أفاد بيان حكمها عند وجود الماء.
قلنا : لا يمنع حمل اللفظ على الجماع واللمس ، ويفيد الحكمين ، وقد حقّقنا ذلك في أصول الفقه.
المسألة الثالثة والعشرون ـ راعى مالك في اللمس القصد ، وجعله الشافعى ناقضا للطهارة
__________________
(١) في ا : يعفو.
![أحكام القرآن [ ج ١ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3218_ahkam-alquran-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
