وفي الحديث الصحيح أن النبىّ صلّى الله عليه وسلّم أتى بصبى لم يأكل الطعام فبال على ثوبه فأتبعه بماء ولم يغسله. وهذا نص.
المسألة الثالثة عشرة ـ لما قال : (حَتَّى تَغْتَسِلُوا) اقتضى هذا عموم إمرار الماء على البدن كلّه باتفاق ؛ وهذا لا يتأتّى إلّا بالدّلك ، وأعجب لأبى الفرج الذي رأى وحكى عن صاحب المذهب أنّ الغسل دون ذلك يجزى ؛ وما قاله مالك قط (١) نصّا ولا تخريجا ، وإنما هي من أوهامه ؛ فإن اللفظ إذا كان غريبا لم يخرج عند مالك أو كان احتياطا لم يعدل عنه ، ولو صببت على نفسك الماء كثيرا ما عمّ حتى تمشى يدك ؛ لأنّ البدن بما فيه من دهنية يدفع الماء عن نفسه.
المسألة الرابعة عشرة ـ إذا عمّ المرء نفسه بالماء أجزأه إجماعا ، إلّا أنّ الأفضل له أن يمتثل فعل النبي صلّى الله عليه وسلّم. وقد ثبت عنه من طرق في دواوين صحاح على السنة عدول قالوا : روت عائشة : كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه ، ثم يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه ، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة ، ثم يأخذ الماء فيدخل فيه أصابعه وفي أصول الشّعر ، حتى إذا رأى أن قد أروى بشرته حفن على رأسه ثلاث حفنات ، ثم أفاض على سائر جسده ، ثم غسل رجليه.
وفي رواية ميمونة : ثم غسل جسده. وروى أبو داود والترمذي ، عن أبى هريرة ـ أن النبىّ صلّى الله عليه وسلّم قال : تحت كل شعرة جنابة ، فاغسلوا الشّعر ، وأنقوا البشرة. قال أبو داود : لم أدخل في كتابي إلّا الحديث الصحيح ، أو ما يقرب من الصحيح.
المسألة الخامسة عشرة ـ لما قال الله سبحانه : (حَتَّى تَغْتَسِلُوا) وفهم الكلّ منه عموم البدن بالماء والغسل بالغ قوم منهم أبو حنيفة فقال : إن المضمضة والاستنشاق واجبان في غسل الجنابة ؛ لأنهما من جملة الوجه ، وحكمهما حكم ظاهر الوجه بدليل غسلهما من النجاسة ، كما يغسل الخدّ والجبين ؛ وهي مسألة خلاف كبيرة ، وقد بيّنا ما فيها.
واللباب منها أنّ الفم والأنف باطنان حقيقة وحكما ؛ أمّا الحقيقة فإنك تشاهد بطونهما
__________________
(١) في ا : وما قاله ، فظاهر نصا لا تخريجا ، وهو تحريف.
![أحكام القرآن [ ج ١ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3218_ahkam-alquran-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
