لا إشكال في أن الآية محتملة ، ولذلك اختلف فيها الصحابة ؛ فإن أردنا أن نعلم المراد منها رجّحنا احتمالاتها حتى نرى الفضل لمن هو فيها ؛ فأما أصحاب الشافعى فظهر لهم أنّ العبور لا يمكن في نفس الصلاة فلا بدّ من تأويل ؛ وأحسنه حذف المضاف وهو الموضع ، وإقامة المضاف إليه مقامه ، وهو الصلاة ؛ وذلك كثير في اللغة ، ولا يحتاج بعد ذلك إلى حذف كثير وتأويل طويل في قوله تعالى : (وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ).
قالوا : وأيضا فإنّ ما تأوّلتم في قوله : (إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ) يفهم من الآية التي بعدها في قوله : (فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً).
وأما علماؤنا فقالوا : إنّ أوّل ما يحفظ سبب الآية التي نزلت عليه في الصحيح ، وتحفظ فاتحتها فتحمل على ظاهرها ، حتى نرى ما يردّنا عنها ويحفظ لغتها (١) ، فإنه تعالى قال : لا تقربوها ـ بفتح الراء ، وذلك يكون في الفعل لا في المكان ، فكيف يضمر المكان ويوصل بغير فعله؟ هذا محال.
وتقدير الآية أنه قال سبحانه : لا تصلّوا سكارى ولا جنبا إلّا عابري سبيل.
فإن قيل : كيف يكون العبور في نفس الصلاة؟
قلنا : بأن يكون مسافرا ، فلم يجد ماء فيصلّى حينئذ بالتيمم جنبا ، لأنّ التيمم لا يرفع حدث الجنابة.
فإن قيل : لا يسمّى المسافر عابر سبيل.
قلنا : لا نسلّم ، بل يقال له عابر سبيل حقيقة واسما ، والدنيا كلّها سبيل تعبر. وفي الآثار : الدنيا قنطرة فاعبروها ولا تعمروها.
وقد اتفقوا معنا على أنّ التيمم لا يرفع الجنابة.
وأما قولهم : إنّ ما قلتم يفتقر إلى الإضمار الكثير. قلنا : إنما يفتقر إليه في تفهيم من لا يفهم مثلك ، وأما مع من يفهم فالحال تعرب عن نفسها كما أعربت الصحابة.
وأما قولهم : إنّ هذا يفهم من الآية التي بعدها في قوله تعالى (٢) : (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ
__________________
(١) في ل : ونحفظ لغتنا.
(٢) سورة النساء ، آية ٤٣
![أحكام القرآن [ ج ١ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3218_ahkam-alquran-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
