المسألة الحادية عشرة ـ قوله تعالى : (وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ) :
فيه أربعة أقوال :
الأول : يوليها ظهره في فراشه ؛ قاله ابن عباس.
الثاني : لا يكلّمها ، وإن وطئها ؛ قاله عكرمة وأبو الضحى.
الثالث : لا يجمعها وإياه فراش ولا وطء حتى ترجع إلى الذي يريد ؛ قاله إبراهيم والشعبي وقتادة والحسن البصري ، ورواه ابن وهب وابن القاسم عن مالك وغيرهم.
الرابع : يكلّمها ويجامعها ، ولكن بقول فيه غلظ وشدة إذا قال لها تعالى ؛ قاله سفيان.
قال الطبري : ما ذكره من تقدّم معترض ، وذكر ذلك (١) ، واختار أنّ معناه يربطن بالهجار وهو الحبل في البيوت ، وهي المراد بالمضاجع ، إذ ليس لكلمة (اهْجُرُوهُنَ) إلا أحد ثلاثة معان. فلا يصحّ أن يكون من الهجر الذي هو الهذيان ، فإنّ المرأة لا تداوى بذلك ، ولا من الهجر الذي هو مستفحش من القول ، لأنّ الله لا يأمر به ؛ فليس له وجه إلا أن تربطوهنّ بالهجار.
قال ابن العربي : يا لها هفوة من عالم بالقرآن والسنة ، وإنى لأعجبكم من ذلك ؛ إنّ الذي أجرأه على هذا التأويل ، ولم يرد أن يصرّح بأنه أخذه منه ، هو حديث غريب رواه ابن وهب عن مالك أنّ أسماء بنت أبى بكر الصديق امرأة الزبير بن العوّام كانت تخرج حتى عوتب في ذلك. قال : وعتب عليها وعلى ضرّتها ، فعقد شعر واحدة بالأخرى ، وضربهما ضربا شديدا ، وكانت الضرة أحسن اتقاء ، وكانت أسماء لا تتقى ؛ فكان الضرب بها أكثر وآثر ؛ فشكته إلى أبيها أبى بكر ؛ فقال لها : أى بنيّة اصبري ؛ فإنّ الزبير رجل صالح ، ولعله أن يكون زوجك في الجنة ، ولقد بلغني أنّ الرجل إذا ابتكر بالمرأة (٢) تزوّجها في الجنة. فرأى الربط والعقد مع احتمال اللفظ مع فعل الزبير ، فأقدم على هذا التفسير لذلك.
وعجبا له مع تبحّره في العلوم وفي لغة العرب كيف بعد عليه صواب القول ، وحاد عن سداد النظر ؛ فلم يكن بدّ والحالة هذه من أخذ المسألتين من طريق الاجتهاد المفضية بسالكها إلى السداد ؛ فنظرنا في موارد (ه ج ر) في لسان العرب على هذا النظام فوجدناها سبعة :
__________________
(١) في القرطبي : بعد أن ذكر هذا القول وهو اختيار الطبري وقدح في سائر الأقوال.
(٢) في القرطبي : بامرأة.
![أحكام القرآن [ ج ١ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3218_ahkam-alquran-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
