الثالث ـ أنّ وجود الوصية أكثر من وجود الدّين ؛ فقدّم في الذكر ما يقع غالبا في الوجود.
الرابع ـ أنه ذكر الوصية ، لأنه أمر مشكل ، هل يقصد ذلك ويلزم امتثاله أم لا؟ لأنّ الدّين كان ابتداء تاما مشهورا أنه لا بدّ منه ، فقدم المشكل ، لأنّه أهم في البيان.
الخامس ـ أنّ الوصية كانت مشروعة ثم نسخت في بعض الصور ، فلما ضعّفها النسخ قويت بتقديم الذكر ؛ وذكرهما معا كان يقتضى أن تتعلّق الوصية بجميع المال تعلّق الدّين. لكن الوصية خصصت ببعض المال ، لأنها لو جازت في جميع المال لاستغرقته ولم يوجد ميراث ؛ فخصّصها الشرع ببعض المال ؛ بخلاف الدّين ، فإنه أمر ينشئه بمقاصد صحيحة في الصحة والمرض ، بيّنة المناحى في كل حال ؛ يعمّ تعلّقها بالمال كله.
ولما قام الدليل وظهر المعنى في تخصيص الوصية ببعض المال قدّرت ذلك الشريعة بالثلث ، وبيّنت المعنى المشار إليه على لسان النبىّ صلّى الله عليه وسلّم في حديث سعد ؛ قال سعد للنبي صلّى الله عليه وسلّم (١) : يا رسول الله ، لي مال ولا يرثني إلا ابنة لي ، أفأتصدّق بثلثي مالي ... الحديث ، إلى أن قال له النبىّ صلّى الله عليه وسلّم : الثلث والثلث كثير ، إنّك [١٢٠] إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكفّفون النّاس.
فظهرت المسألة قولا ومعنى وتبيّنت حكمة وحكما.
المسألة الخامسة عشرة ـ لما ذكر الله تقديم الدّين على الوصية تعلّق بذلك الشافعىّ في تقديم دين الزكاة والحجّ على الميراث ، فقال : إن الرجل إذا فرّط في زكاته وحجّه أخذ ذلك من رأس ماله.
وقال أبو حنيفة ومالك : إن أوصى بها أدّيت من ثلثه ، وإن سكت عنها لم يخرج عنه شيء.
وتعلّق الشافعى ظاهر ببادئ الرأى ، لأنه حقّ من الحقوق ؛ فلزم أداؤه عنه بعد الموت كحقوق الآدميين ، لا سيما والزكاة مصرفها إلى الآدمىّ.
ومتعلّق مالك أنّ ذلك موجب إسقاط الزكاة أو ترك الورثة فقراء ، لأنه يعتمد ترك
__________________
(١) صحيح مسلم : ١٢٥٢
![أحكام القرآن [ ج ١ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3218_ahkam-alquran-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
