الله عليه وسلّم : غطّوا بها رأسه واجعلوا عليه من الإذخر (١) ؛ فبدأ بالكفن على كل شيء.
وروى الأئمة عن جابر أنّ أباه استشهد يوم أحد ، وترك ستّ بنات ، وترك دينا ، فلما حضر جداد النخل أتيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقلت : يا رسول الله ؛ قد علمت أن والدي استشهد يوم أحد ، وترك عليه دينا ، وإنى أحب أن يراك الغرماء. قال : اذهب فبيدر (٢) كلّ تمرة على حدة ، ففعلت : فلما دعوته وحضر عندي ونظروا إليه كأنما أغروا بي تلك الساعة ، فلما رأى ما يصنعون طاف حول أعظمها بيدرا فجلس عليه ، وقال : ادع أصحابك ؛ فما زال يكيل لهم حتى أدّى الله أمانة والدي. فقدّم الدّين على الميراث.
وروى البخاري عن سلمة بن الأكوع قال : كنّا جلوسا عند النبىّ صلّى الله عليه وسلّم إذ أتى بجنازة فقالوا : صلّ عليها ، فقال : هل عليه دين؟ قالوا : لا ، فصلّى الله عليه ، ثم أتى بجنازة أخرى فقالوا : يا رسول الله ، صلّ عليها. فقال : هل عليه دين؟ قالوا : نعم. قال : فهل ترك شيئا؟ قالوا : ثلاثة دنانير. فصلّى الله عليه. ثم أتى بالثالثة فقالوا : صلّ عليها. فقال : هل ترك شيئا؟ قالوا : لا ، قال : أعليه دين؟ قالوا : ثلاثة دنانير. قال: صلوا على صاحبكم. قال أبو قتادة : صلّ عليه يا رسول الله وعلىّ دينه ، فصلّى الله عليه ، فجعل الوفاء بمقابلة الدّين. ولهذه الآثار والمعاني السالفة قال على بن أبى طالب ـ رواه الترمذي وغيره : إن النبىّ صلّى الله عليه وسلّم قضى بالدّين قبل الوصية ، وأنتم تقدّمون الوصية قبل الدّين.
فإن قيل : فما الحكمة في تقديم ذكر الوصية على ذكر الدّين ، والدّين مقدّم عليها؟
قلنا ؛ في ذلك خمسة أوجه :
الأول ـ أن «أو» لا توجب ترتيبا ، إنما توجب تفصيلا ، فكأنه قال : من بعد أحدهما أو من بعدهما ، ولو ذكرهما بحرف الواو لأوهم الجمع والتشريك ؛ فكان ذكرهما بحرف «أو» المقتضى التفصيل أولى.
الثاني ـ أنه قدّم الوصية ؛ لأن تسبّبها من قبل نفسه ، والدّين ثابت مؤدّى ذكره أم لم يذكره.
__________________
(١) الإذخر : الحشيش الأخضر ، وحشيش طيب الريح (القاموس).
(٢) بيدر الطعام : كومة ، والبيدر : موضعه الذي يداس فيه (القاموس).
![أحكام القرآن [ ج ١ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3218_ahkam-alquran-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
