وأما تقديم الدّين فلأنّ ذمّته مرتهنة بدينه ، وفرض الدّين أولى من فعل الخير الذي يتقرّب به.
فأما تقديم الصدقة على الميراث في بعض المال ففيه مصلحة شرعية وإيالة دينية ؛ لأنه لو منع جميعه لفاته باب من البرّ عظيم ، ولو سلّط عليه لما أبقى لورثته بالصدقة منه شيئا لأكثر الوارثين أو بعضهم ؛ فقسّم الله سبحانه بحكمته المال وأعطى الخلق ثلث أموالهم في آخر أعمارهم ، وأبقى سائر المال للورثة ، كما قال عليه السلام (١) : إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكفّفون الناس. مع (٢) أنه كلالة منه بعيد عنه.
وأراد بقوله : «خير» هاهنا وجوها معظمها أنّ ذلك سبب إلى ذكره بالجميل ، وإحياء ذكره هو إحدى الحياتين ، ومعنى مقصود عند العقلاء ، وقد أثنى الله سبحانه على الأنبياء في طريقه فقال (٣) : (وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ) ، وأخبر عن رغبته فيه فقال (٤) : (وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ).
وإذا كان ورثته أغنياء عظم قدرهم ، وشرف ذكرهم في الطاعة وذكره.
وقد ذكر الله تعالى الأوجه الثلاثة وترك الأوّل ؛ لأنه ليس بمتروك ، وإنما يكون متروكا ما فضل عن حاجته ومصلحته ؛ ولما جعل الله في القسم الثالث الوصية مشروعة مسوّغة له ، وكلها إلى نظره لنفسه في أعيان الموصى لهم ، وبمقدار ما يصلح لهم.
وقد كانت قبل ذلك مفروضة للوالدين والأقربين غير مقدّرة ثم نسخ ذلك ، فروى أبو داود والترمذي أنّ النبىّ صلّى الله عليه وسلّم قال : إنّ الله أعطى لكلّ ذي حقّ حقّه ؛ لا وصية لوارث.
وقد روى [١١٩] البخاري عن خبّاب قال : هاجرنا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، وذكر الحديث ، ثم قال : ومنهم مصعب بن عمير قتل يوم أحد ، فلم نجد له ما نكفّنه فيه إلّا نمرة (٥) كنّا إذا غطّينا بها رأسه بدت رجلاه ، وإذا غطّينا بها رجليه بدا رأسه. فقال النبي صلّى
__________________
(١) صحيح مسلم : ١٢٥٠
(٢) في ا : من.
(٣) سورة الصافات ، آية ٧٨
(٤) سورة الشعراء ، آية ٨٤
(٥) النمرة : الشملة فيها خطوط بيض وسود ، أو بردة من صوف يلبسها الأعراب (القاموس).
![أحكام القرآن [ ج ١ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3218_ahkam-alquran-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
