فرفع أمره إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال له العم : يا رسول الله ، إنّ الولد صغير لا يركب ولا يكسب ، فنزلت الآية.
وكان هذا من الجاهلية تصرفا بجهل عظيم ؛ فإن الورثة الصغار الضعاف كانوا أحقّ بالمال من القوى ، فعكسوا الحكم وأبطلوا الحكمة ؛ فضلّوا بأهوائهم وأخطئوا في آرائهم.
المسألة الثانية ـ في هذه الآية ثلاث فوائد :
إحداها ـ بيان علّة الميراث ، وهي القرابة. الثاني ـ عموم القرابة كيفما تصرّفت من قرب أو بعد.
الثالث ـ إجمال النصيب المفروض ؛ فبيّن الله سبحانه وتعالى في آية المواريث خصوص القرابة ومقدار النصيب ، وكان نزول هذه الآية توطئة للحكم وإبطالا لذلك الرأى الفاسد ، حتى وقع البيان الشافي بعد ذلك على سيرة الله وسنته في إبطال آرائهم وسنّتهم.
المسألة الثالثة ـ قوله سبحانه وتعالى : (مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً).
كان أشياخنا قد اختلفوا عن مالك في قسمة المتروك على الفرائض إذا كان فيه تغيير عن حاله كالحمام وبدء (١) الزيتون والدار التي تبطل منافعها بإبراز أقلّ السهام منها ، فكان ابن كنانة يرى ذلك ؛ لقوله تعالى : (مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً) ؛ وكان ابن القاسم يروى عنه أنّ ذلك لا يجوز ؛ لما فيه من المضارّة ؛ وقد نفى الله سبحانه وتعالى المضارة بقوله سبحانه (٢) : (غَيْرَ مُضَارٍّ). وأكّد النبىّ صلّى الله عليه وسلّم ذلك بقوله : لا ضرر ولا ضرار.
وهذا بعيد ؛ فإنه ليس في الآية تعرّض للقسمة ؛ وإنما اقتضت الآية وجوب الحظّ والنصيب في التركة قليلا كان أو كثيرا ؛ فقال سبحانه وتعالى : (لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ) ، وهذا ظاهر جدّا ؛ فأما إبراز ذلك النصيب فإنما يؤخذ من دليل آخر ؛ وذلك أنّ الوارث يقول : قد وجب لي نصيب بقول الله سبحانه فمكّنونى منه. فيقول له شريكه : أمّا تمكينك على الاختصاص فلا يمكن ؛ لأنه يؤدّى إلى ضرر بيني وبينك من إفساد المال وتغيير الهيئة وتنقيص القيمة ، فيقع الترجيح.
والأظهر سقوط القسمة فيما يبطل المنفعة وينقص القيمة.
__________________
(١) في ا : بد.
(٢) سورة النساء ، آية ١٢
![أحكام القرآن [ ج ١ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3218_ahkam-alquran-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
