وروى أنّ رجلا قال للنبي صلّى الله عليه وسلّم : إنّ في حجري يتيما أآكل من ماله؟
قال : نعم ، غير متأثّل (١) مالا ولا واق مالك بماله. قال : يا رسول الله ، أفأضربه؟ قال : ما كنت ضاربا منه ولدك.
وهذا وإن لم يثبت مسندا فليس يجد عنه أحد ملتحدا ؛ لأنّ المقصود الإصلاح ، وإصلاح البدن أوكد من إصلاح المال ؛ والدليل عليه أنه يعلّمه الصلاة ، ويضربه عليها ، ويكفّه عن الحرام بالكهر (٢) والقهر.
المسألة الخامسة عشرة ـ قوله تعالى : (فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ).
قال علماؤنا : أمر الله تعالى بالإشهاد تنبيها على التحصين وإرشادا إلى نكتة بديعة ؛ وهي أنّ كلّ مال قبض على وجه الأمانة بإشهاد لا يبرأ منه إلا بإشهاد على دفعه ؛ لقوله تعالى : (فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ) ، وهو عنده أمانة ، فلو ضاع قبل قوله ، فإذا قال دفعت لم يقبل إلا بالإشهاد ؛ لأنّ الضياع لا يمكنه إقامة البينة عليه وقت ضياعه ، فلا يكلّف ما لا سبيل إليه ؛ والبينة يقدر أن يقيمها حال الدفع فتفريطه فيها موجب عليه الضمان.
وقال علماؤنا في الوديعة مثله ، وهي عندنا محمولة ونظيرة له.
وخالف في ذلك أبو حنيفة والشافعى وقالا : إنها أمانة ؛ فكان القول قوله.
قلنا : لو رضى أمانته بالردّ ما كتب عليه الشهادة بالعقد.
الآية السابعة ـ قوله تعالى (٣) : (لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً).
فيها ثلاث مسائل :
المسألة الأولى ـ في سبب نزولها :
قال قتادة : كان أهل الجاهلية يمنعون النساء الميراث ويخصّون به الرجال ، حتى كان الرجل منهم إذا مات وترك ذريّة ضعافا وقرابة كبارا استبدّ بالمال القرابة الكبار.
وقد روى أن (٤) أن رجلا من الأنصار مات وترك ولدا أصاغر وأخا كبيرا ، فاستبدّ بماله ،
__________________
(١) أى غير جامع ، كما في النهاية.
(٢) الكهر : الانتهار.
(٣) الآية السابعة من السورة.
(٤) في أسباب النزول ٨٢ : أن أوس بن ثابت توفى وترك امرأة وثلاث بنات له منها ، فقام رجلان هما ابن عم الميت ووصياه ...
![أحكام القرآن [ ج ١ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3218_ahkam-alquran-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
