فيها ثلاث مسائل :
المسألة الأولى ـ قيل : إنها منسوخة بآية القتال ؛ وهو قول ابن زيد.
الثاني (١) ـ أنها مخصوصة في أهل الكتاب الذين يقرّون على الجزية ؛ وعلى هذا فكلّ من رأى قبول الجزية من جنس تحمل الآية عليه.
الثالث ـ أنها نزلت في الأنصار ؛ كانت المرأة منهم إذا لم يعش لها ولد تجعل على نفسها إن عاش أن تهوّده ترجو به طول عمره ، فلما أجلى الله تعالى بنى النّضير قالوا : كيف نصنع بأبنائنا؟ فأنزل الله تعالى الآية : (لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ).
المسألة الثانية ـ قوله تعالى : (لا إِكْراهَ) : عموم في نفى إكراه الباطل ؛ فأما الإكراه بالحقّ فإنه من الدين ؛ وهل يقتل الكافر إلا على الدين ؛ قال صلّى الله عليه وسلّم : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله. وهو مأخوذ من قوله تعالى : (وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ).
وبهذا يستدلّ على ضعف قول من قال : إنها منسوخة.
فإن قيل : فكيف جاز الإكراه بالدين على الحق. والظاهر من حال المكره أنه لا يعتقد ما أظهر.
الجواب : أنّ الله سبحانه بعث رسوله محمدا صلّى الله عليه وسلّم يدعو الخلق إليه ، ويوضّح لهم السبيل ، ويبصّرهم الدليل ، ويحتمل الإذاية والهوان في طريق الدعوة والتبيين ، حتى قامت حجّة الله ، واصطفى الله أولياءه ، وشرح صدورهم لقبول الحق ؛ فالتفّت كتيبة الإسلام ، وائتلفت قلوب أهل الإيمان ، ثم نقله من حال الإذاية إلى العصمة ، وعن الهوان إلى العزّة ، وجعل له أنصارا بالقوة ، وأمره بالدعاء بالسيف ؛ إذ مضى من المدة ما تقوم به الحجة ، وكان من الإنذار ما حصل به الإعذار.
جواب ثان : وذلك أنهم يؤخذون أوّلا كرها ، فإذا ظهر الدين وحصل في جملة المسلمين ، وعمّت الدعوة في العالمين حصلت لهم بمثافنتهم (٢) وإقامة الطاعة معهم النية ؛ فقوى اعتقاده ،
__________________
(١) هكذا في الأصول ، ولم يتقدم «الأول» ، وكأنه اعتبر ما سبق رأيا أول.
(٢) المثافنة : الملازمة والمصاحبة.
![أحكام القرآن [ ج ١ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3218_ahkam-alquran-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
