أحدهما ـ بلوغ النكاح. والثاني ـ إيناس الرّشد ؛ فوقف عليهما ولم يصح ثبوته بأحدهما ، وكذلك قوله تعالى في المطلقة ثلاثا (١) : (فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ). ثم جاءت السنّة باشتراط الوطء ؛ فوقف التحليل على الأمرين جميعا ، وهما انعقاد النكاح ، ووقوع الوطء ، وعلى هذا عوّل الجويني.
فإن قيل : هذا حجة عليكم ؛ فإنه مدّ التحريم إلى غاية ، وهي انقطاع الدم ، وما بعد الغاية مخالف لما قبلها ، فوجب أن يحصل الجواز بعد انقطاع الدم لسبب حكم الغاية.
قلنا : إنما يكون حكم الغاية مخالفا لما قبلها إذا كانت مطلقة ، فأمّا إذا انضمّ إليها شرط آخر فإنما يرتبط الحكم بما وقع القول عليه من الشرط ، كقوله تعالى (٢) : (حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ) ؛ وكقوله تعالى : (حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ) ، وكما بيناه.
فإن قيل : ليس هذا تجديد شرط زائد ، وإنما هو إعادة للكلام ، كما تقول : لا تعط زيدا شيئا حتى يدخل الدار ، فإذا دخل فأعطه ؛ وحمله على هذا أولى من وجهين : أحدهما ـ أنه يحفظ حكم الغاية ويقرّها على أصلها. والثاني ـ أنّ الظاهر من لفظ الشرط أنه المذكور في الغاية.
فالجواب عنه من تسعة أوجه :
أحدها ـ أنا نقول : روى عطية عن ابن عباس أنه قال : فإذا تطهّرن بالماء ، وهو قول مجاهد وعكرمة.
الثاني ـ أنّ تطهّر لا يستعمل إلّا فيما يكتسبه الإنسان وهو الاغتسال بالماء ، فأما انقطاع الدم فليس بمكتسب.
فإن قيل : بل يستعمل تفعّل في غير الاكتساب ، كما يقال : تقطّع الحبل ، وكما يقال في صفات الله سبحانه : تجبّر وتكبّر ، وليس في ذلك اكتساب ولا تكلّف. فالجواب عنه من أوجه : أحدها ـ أنّ الظاهر من اللغة ما قلناه ، وقوله : تقطّع الحبل نادر ، فلا يقاس عليه حكم.
جواب آخر : هبكم سلّمنا لكم أنه مستعمل ، ففي مسألتنا لا يستعمل ، فلا يقال
__________________
(١) سورة البقرة ، آية ٢٣٠
(٢) سورة النساء ، آية ٦
![أحكام القرآن [ ج ١ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3218_ahkam-alquran-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
