تطهّرت المرأة بمعنى انقطع دمها. وإذا لم يجز استعماله في مسألتنا لم يقع استعماله في غيرها ، وهذه نكتة بديعة من المجاز ؛ وذلك أنه إنما يحمل اللّفظ [٨٥] على الشيء إذا كان مستعملا على سبيل المجاز. وأما (١) مجاز استعمل في موضع آخر فلا يجوز أن يجعل طريقا إلى تأويل اللفظ فيما لم يستعمل فيه ؛ وفي ذلك الموضع إنما حملناه على ذلك للضرورة ، وهو أنّ الجمادات (٢) لا توصف بالاكتساب للأفعال وتكلّفها ، ولذلك (٣) يستحيل في صفات الله تعالى وفي أفعاله التكلّف ، فحمل اللفظ على ما وضع له من أجل الضرورة ، وهذا لا يوجب خروجه عن مقتضاه لغير ضرورة. وهذا جواب القاضي أبى الطيب الطبري.
جواب ثالث ـ قال تعالى في آخر الآية : (وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) ، فمدحهنّ وأثنى عليهن ، فلو كان المراد به انقطاع الدم ما كان فيه مدح ؛ لأنه من غير عملهنّ ، والباري ـ سبحانه ـ قد ذمّ على مثل هذا فقال (٤) : (وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا).
فإن قيل : هذا ابتداء كلام ، وليس براجع إلى ما تقدّم ، بدليل قوله تعالى : (يُحِبُّ التَّوَّابِينَ) ، ولم يجر للتوبة ذكر.
قلنا : سيأتى الجواب عنه إن شاء الله.
جواب رابع عن أصل السؤال ـ وهو قولهم : إنما حملنا الآية على هذا كما قد حفظنا موجب الغاية ومقتضاها ، فهذا لو اقتصر على الغاية ، فأما إذا قرن بها الشرط فذلك لا يلزم كما تقدّم.
جواب خامس ـ وهو أنّا نقول : إن كنّا نحن قد تركنا موجب الغاية فقد حملتم أنتم اللفظ على التكرار ، فتركتم فائدة عوده ، وإذا أمكن حمل اللفظ على فائدة مجدّدة لم يحمل على التكرار في كلام الناس ، فكيف كلام العليم الحكيم؟
جواب سادس ـ ليس حملكم قوله تعالى : (فَإِذا تَطَهَّرْنَ) على قوله : (حَتَّى يَطْهُرْنَ) بأولى من حملنا قوله تعالى : (حَتَّى يَطْهُرْنَ) على قوله : (فَإِذا تَطَهَّرْنَ) ؛ فوجب أن يقرن كل لفظ منه على مقتضاه ؛ هذا جواب أبى إسحاق الشيرازي.
__________________
(١) في ا : فأما.
(٢) في ا : الجماعات.
(٣) في ل : وذلك.
(٤) سورة آل عمران ، آية ١٨٨
![أحكام القرآن [ ج ١ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3218_ahkam-alquran-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
