جواب آخر ـ وهو أنه قد ذكر بعده ما يدلّ على المراد ، فقال : فإذا تطهّرن ، والمراد بالماء.
والظاهر أن ما بعد الغاية في الشرط هو المذكور في الغاية قبلها ، فيكون قوله تعالى : (حَتَّى يَطْهُرْنَ) مخففا ، وهو معنى قوله يطّهرن ـ مشددا ـ بعينه ، ولكنه جمع بين اللغتين في الآية ، كما قال تعالى (١) : (فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ). وقال الكميت :
|
وما كانت [٨٤] الأبصار فيها أذلة |
|
ولا غيّبا فيها إذا الناس غيّب (٢) |
وقيل : إن قوله تعالى : (فَإِذا تَطَهَّرْنَ) ابتداء كلام لا إعادة لما تقدم ، ولو كان إعادة لاقتصر على الأول فقال : حتى يطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله خاصة ، فلما زاد عليه دل على أنه استئناف حكم آخر.
فالجواب أن هذا خلاف الظاهر ؛ فإنّ المعاد في الشرط هو المذكور في الغاية ، بدليل ذكره بالفاء ، ولو كان غيره لذكره بالواو. وأما الزيادة عليه فلا تخرجه عن أن يكون بعينه ؛ ألا ترى أنه لو قال : لا تعط هذا الثوب زيدا حتى يدخل الدار ، فإذا دخل فأعطه الثوب ومائة درهم ، لكان هو بعينه ، ولو أراد غيره لقال : لا تعطه حتى يدخل الدار ، فإذا دخل وجلس فافعل كذا وكذا ؛ هذا طريق النظم في اللسان (٣).
جواب آخر ـ وذلك أن قولهم : إنّا لا نفتقر في تأويلنا إلى إضمار ؛ وأنتم تفتقرون إلى إضمار.
قلنا : لا يقع بمثل هذا ترجيح ؛ فإن هذا الإضمار من ضرورة الكلام ، فهذا كالمنطوق به.
جواب ثالث ـ وهو المتعلق (٤) الثاني من الآية : إنا نقول : نسلم أن قوله تعالى : (حَتَّى يَطْهُرْنَ) أن معناه حتى ينقطع دمهنّ ، لكنه لمّا قال بعد ذلك : فإذا تطهرن ، معناه فإذا اغتسلن بالماء تعلق الحكم على شرطين :
أحدهما ـ انقطاع الدم. الثاني ـ الاغتسال بالماء ، فوقف الحكم وهو جواز الوطء على الشرطين ، وصار ذلك كقوله تعالى (٥) : (وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ ، فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ) ، فعلّق الحكم وهو جواز دفع المال على شرطين:
__________________
(١) سورة التوبة ، آية ١٠٨
(٢) غيب : غائبون.
(٣) يريد اللغة.
(٤) في ا : التعلق.
(٥) سورة النساء ، آية ٦
![أحكام القرآن [ ج ١ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3218_ahkam-alquran-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
