المسألة الرابعة ـ لما أذن الله تعالى للناس في مخالطة الأيتام مع قصد الإصلاح بالنظر لهم وفيهم ـ كان ذلك دليلا على جواز التصرّف للأيتام كما يتصرّف للأبناء ، وفي الأثر : ما كنت تؤدّب منه ولدك فأدّب منه يتيمك ، ولأجل ذلك قال بعض علمائنا : إنه يجوز للحاضن أن يتصرف في مال اليتيم تصرّف الوصىّ في البيع والقسمة وغير ذلك ، وقد بيناه في مسائل الفروع ، وبه أقول وأحكم ، فينفذ بنفوذ فعله له في القليل والكثير على الإطلاق لهذه الآية. والله أعلم.
المسألة الخامسة ـ إذا كفل الرجل اليتيم وحازه وكان في نظره ، جاز عليه فعله ، كما قدمناه ، وإن لم يقدمه وال عليه ؛ لأن الآية مطلقة ، ولأن الكفالة ولاية عامة.
واعلموا أنه لم يؤثر على أحد من الخلفاء أنّه قدم أحدا على يتيم مع وجودهم في أزمنتهم ؛ وإنما كانوا يقتصرون على كونهم عندهم.
وقد روى عن عمر رضى الله عنه أنه قال في اللقيط : هو حرّ ، لك ولاؤه ، وعلينا نفقته ـ يعنى بالولاء الولاية ، ليس الميراث ، كما توهمه قوم.
المسألة السادسة ـ فإن قيل : فإذا جعلتم للولىّ أن يتصرف في مال اليتيم تصرفه في مال ابنه بولاية الكفالة كما قدمتم بيانه (١) إن كان بتقديم وال عليه ، فهل ينكح نفسه من يتيمته أو يشترى من مال يتيمته؟
قلنا : إن مالكا جعل ولاية النكاح بالكفالة والحضانة أقوى منها بالقرابة ، حتى قال في الأعراب الذين يسلّمون أولادهم في أعوام المجاعة إلى الكفلة : إنهم ينكحونهم إنكاحهم.
فأما إنكاح الكافل من (٢) نفسه فسيأتى في تفسير سورة النساء إن شاء الله تعالى.
وأما الشراء منه فقال مالك وأبو حنيفة : يشترى في مشهور الأقوال إذا كان نظرا له ، وهو صحيح ؛ لأنه من باب الإصلاح المنصوص عليه في الآية.
وقال الشافعى : لا يجوز ذلك في النكاح ولا في البيع ؛ وقد مهّدناه في مسائل الخلاف.
فأما ما نزعه الشافعى من منع النكاح فله فيها طرق بيانها في موضعها هنالك ؛ وأما الشراء فطريقه فيها ضعيف جدّا إلّا أن يدخل معنا في مراعاة الذرائع والتهم فينقض أصله في تركها.
فإن قيل : فلم ترك مالك أصله في التهمة والذرائع ، وجوّز له ذلك من نفسه مع يتيمته؟
__________________
(١) في ل : أو.
(٢) في القرطبي (٣ ـ ٦٤) : لنفسه.
![أحكام القرآن [ ج ١ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3218_ahkam-alquran-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
