قلنا : إنما نقول يكون ذريعة لما يؤدّى من الأفعال المباحة إلى محظور منصوص عليه ، وأما ها هنا فقد أذن الله سبحانه في صورة المخالطة ، ووكل الحاضنين في ذلك إلى أمانتهم بقوله تعالى : (وَاللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ) ، وكلّ أمر مخوف وكل الله تعالى فيه المكلّف إلى أمانته لا يقال فيه إنه يتذرع إلى محظور فيمنع منه (١) ، كما جعل الله سبحانه النساء مؤتمنات على فروجهن ، مع عظم ما يتركب على قولهن في ذلك من الأحكام ، ويرتبط به من الحلّ والحرمة [٧٩] والأنساب ، وإن جاز أن يكذبن. وهذا فنّ بديع فتأمّلوه واتخذوه دستورا في الأحكام وأملوه (٢) ، والله الموفق للصواب برحمته.
الآية الموفية ستين ـ قوله تعالى (٣) : (وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ، وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا ، وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ).
فيها ثلاث مسائل :
المسألة الأولى ـ اختلف الناس فيها على ثلاثة أقوال :
الأول ـ لا يجوز العقد بنكاح على مشركة كانت كتابيّة أو غير كتابية ؛ قاله عمر في إحدى روايتيه ، وهو اختيار مالك والشافعى إذا كانت أمة.
الثاني ـ أنّ المراد به وطء من لا كتاب له من المجوس والعرب ؛ قاله قتادة.
الثالث ـ أنه منسوخ بقوله تعالى (٤) : (وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ).
قال القاضي : ودرسنا (٥) الشيخ الإمام فخر الإسلام أبو بكر محمد بن أحمد بن الحسن (٦) الشاشي بمدينة السلام ، قال : احتجّ أبو حنيفة على جواز نكاح الأمة الكتابيّة بقوله تعالى : (وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ) ؛ ووجه الدليل من الآية أنّ الله تعالى خاير بين نكاح الأمة المؤمنة والمشركة ، فلو لا أنّ نكاح الأمة المشركة جائز لما خاير الله تعالى بينهما ؛ لأنّ المخايرة
__________________
(١) في ل : به.
(٢) في ا : فأصلوه ، والمثبت من ل.
(٣) الآية الحادية والعشرون بعد المائتين.
(٤) سورة المائدة ، آية ٥
(٥) هكذا في الأصول ، والقرطبي : ٣ ـ ٧٠
(٦) في ل : الحسين.
![أحكام القرآن [ ج ١ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3218_ahkam-alquran-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
