وشربها آخرون للمنفعة ، يعنى لأجل المنفعة المذكورة فيها لا لمنفعة البدن كما قدمنا ، حتى نزلت (١) : (لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى).
فإن قيل : كيف شربت بعد قول الله تعالى : (فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ) ، وبعد قوله : (وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما)؟ وكيف تعاطى مسلم ما فيه مأثم؟
فالجواب من وجهين :
أحدهما ـ أنّ الله تعالى إنما أراد بالإثم في هذه الآية ما يؤول إليه شربها لا نفس شربها.
فمن فعل حينئذ ذلك الذي يؤول إليه فقد أثم بما فعل من ذلك لا بنفس الشرب ، وإن لم يفعل ذلك الذي يؤول إليه لما كان عليه حينئذ إثم ؛ فكان هذا مقصد القول على وجه الورع لا على وجه التحريم ؛ فقبله قوم فتورّعوا ، وأقدم آخرون على الشرب حتى حقّق الله تعالى التحريم ، فامتنع الكلّ ، ولو أراد ربّك التحريم لقال لعمر أولا ما قال له آخرا حتى قال : انتهينا.
الثاني ـ أن الله سبحانه لما ذكر ما فيها من الإثم الموجب للامتناع وقرنه بما فيها من المنفعة المقتضية للإقدام فهم قوم من ذلك التخيير بين الحالين ، ولو تدبّروا قوله تعالى : (وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما) لغلب الورع ؛ فأقدم وتورّع من تورّع ، حتى نزلت آية التحريم الباحثة الكاشفة لتحقيقه ، ففهمها الناس ، وقال عمر رضى الله عنه : انتهينا ، وأمر النبىّ صلى الله عليه وسلم مناديه فنادى بتحريم الخمر.
الآية الثامنة والخمسون ـ على اختلاف في التعداد ـ قوله تعالى (٢) : (وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ).
اختلف العلماء فيها على ستة أقوال :
الأول ـ أنه ما فضل عن الأهل ؛ قاله ابن عباس.
الثاني ـ الوسط من غير تبذير ولا إسراف ؛ قاله الحسن.
الثالث ـ ما سمحت به النفس ؛ قاله ابن عباس أيضا.
الرابع ـ الصدقة عن ظهر غنى (٣) ؛ قاله مجاهد.
__________________
(١) سورة النساء ، آية ٤٣
(٢) الآية التاسعة عشرة بعد المائتين.
(٣) عن ظهر غنى : ما فضل عن قوت العيال وكفايتهم (النهاية).
![أحكام القرآن [ ج ١ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3218_ahkam-alquran-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
