قال قوم من المبتدعة : ما فيها من منفعة البدن ؛ لحفظ الصحة القائمة أو جلب الصحة الفانية بما تفعله من تقوية المعدة وسريانها في الأعصاب (١) والعروق ، وتوصّلها إلى الأعضاء الباطنة الرئيسية ، وتجفيف الرطوبة ، وهضم الأطعمة الثّقال وتلطيفها.
والصحيح أنّ المنفعة هي الربح ؛ لأنهم كانوا يجلبونها من الشام برخص فيبيعونها في الحجاز بربح كثير.
وأما اللذة فهي مضرّة عند العقلاء ؛ لأنّ ما تجلبه من اللذة لا يفي بما تذهبه من التحصيل والعقل ، حتى إنّ العبيد الأدنياء وأهل النقص كانوا يتنزّهون عن شربها لما فيها من إذهاب شريف العقل ، وإعدامها فائدة التحصيل والتمييز.
وأما منفعة إصلاح البدن فقد بالغ فيها الأطبّاء حتى إنى تكلّمت يوما مع بعضهم في ذلك ، فقال لي : لو جمع سبعون عقارا ما وفى بالخمر في منافعها ، ولا قام في إصلاح البدن مقامها.
وهذا مما لا نشتغل به لوجهين :
أحدهما ـ أنّ الذين نزل تحريم الخمر عليهم لم يكونوا يقصدون به التداوى حتى نعتذر عن ذلك لهم.
الثاني ـ أنّ البلاد التي نزل أصل تحريم الخمر فيها كانت بلاد جفوف وحرّ ؛ وضرر الخمر فيها أكثر من منفعتها ؛ وإنما يصلح الخمر عند الأطباء للأرياف والبطاح والمواضع الرطبة ، وإن كانت فيها منفعة من طريق البدن ففيها مضرّة من طريق الدّين ، والباري تعالى قد حرّمها مع علمه بها فقدرها كيف شئت ، فإنّ خالقها ومصرفها قد حرّمها.
وقد روى مسلم (٢) عن طارق بن سويد الجعفىّ أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخمر فنهاه وكره أن يصنعها. قال : إنما أصنعها للدواء. قال : ليس بدواء ، ولكنه داء.
وروى (٣) أيضا عن أنس أنّ النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الخمر : أتتّخذ خلّا؟ قال : لا. وروى ذلك عن جماعة.
فإن قيل : وكيف يجوز أن يرد الشرع بتحريم ما لا غنى عنه ولا عوض منه؟ هذا مناقض للحكمة.
فالجواب عنه من ثلاثة أوجه :
__________________
(١) في ل : في الأعضاء.
(٢ ـ ٣) صحيح مسلم : ١٥٧٣
![أحكام القرآن [ ج ١ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3218_ahkam-alquran-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
