والتحقيق أنّ التحديد بثلاثة أيام ظاهر ، وأن تعيّنها ظاهر أيضا بالرمي ، وأن سائر أهل الآفاق تبع للحاجّ فيها ، ولو لا الاقتداء بالسلف لضعف متابعة الحاجّ من بين سائر أهل الآفاق إلّا في التكبير عند الذّبح ، والله عزّ وجلّ أعلم.
الآية الحادية والخمسون ـ قوله تعالى (١) : (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ).
فيها ثلاث مسائل :
المسألة الأولى ـ في سبب نزولها :
قال قوم : نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي حليف بنى زهرة : وفد على النبىّ صلى الله عليه وسلم بالمدينة ، وأظهر الإسلام ، ثم خرج ، وقال : الله يعلم إنى لصادق ، ثم خرج ومرّ بزرع (٢) لقوم وحمر ، فأحرق الزّرع وعقر الحمر ، فنزلت هذه الآية فيه.
وقال آخرون : هي صفة المنافق ، وهو أقوى.
المسألة الثانية ـ في هذه الآية عند علمائنا دليل على أنّ الحاكم لا يعمل على ظاهر أحوال الناس ، وما يبدو من إيمانهم وصلاحهم حتى يبحث عن باطنهم ؛ لأنّ الله تعالى بيّن أن من الخلق من يظهر قولا جميلا وهو ينوى قبيحا.
وأنا أقول : إنه يخاطب بذلك كلّ أحد من حاكم وغيره ، وإن المراد بالآية الا يقبل أحد على ظاهر قول أحد حتى يتحقّق بالتجربة حاله ، ويختبر بالمخالطة أمره.
فإن قيل : هذا يعارضه قوله صلى الله عليه وسلم : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : «لا إله إلا الله». وفي رواية : «إنما أمرت بالظاهر والله يتولّى السرائر».
فالجواب أنّ هذا الحديث إنما هو في حقّ الكفّ عنه وعصمته ، فإنه (٣) يكتفى بالظاهر منه في حالته ، كما قال في آخر الحديث : فإذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم إلّا بحقّها.
وأما في [حديث] (٤) حق ثبوت المنزلة بإمضاء قوله على الغير فلا يكتفى بظاهره حتى يقع البحث عنه ، ويختبر في تقلّباته وأحواله.
__________________
(١) الآية الرابعة بعد المائتين.
(٢) في القرطبي : بزرع لقوم من المسلمين.
(٣) في ا : بأنه.
(٤) ليس في ل.
![أحكام القرآن [ ج ١ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3218_ahkam-alquran-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
