كما فعل النبىّ صلى الله عليه وسلم حسبما تقدّم ، ثم أفيضوا ـ يعنى إلى منى على التقدير المتقدم (١) في المسألة الثانية من الآية قبل هذه الآية ، فصار ذلك اليوم أوله للمشعر الحرام وآخره لمنى ، فلما لم يختصّ بمعنى لم يعدّ فيها ، وصارت أيام منى ثلاثة سوى يوم النحر ؛ لأنه أقلّ الجمع في الأظهر عند الإطلاق حسبما بيّناه في كتاب الأصول ، وبيّن النبىّ صلى الله عليه وسلم ذلك بالعمل الذي يرفع الإشكال ـ قال حينئذ علماؤنا : اليوم الأول غير معدود ، لأنه ليس من الأيام التي تختصّ بمنى في قوله تعالى : (وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ) ، ولا من التي عنى النبىّ صلى الله عليه وسلم بقوله : أيام منى ثلاثة ، وكان معلوما لأنّ الله تعالى قال (٢) : (وَيَذْكُرُوا (٣) اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ). ولا خلاف أنّ المراد به النّحر ، وكان النحر في اليوم الأول وهو يوم الأضحى والثاني والثالث ، ولم يكن في الرابع نحر ؛ فكان الرابع غير مراد في قوله تعالى : (مَعْلُوماتٌ) ؛ لأنه لا ينحر فيه ؛ وقد بيّنا ذلك في موضعه ، وكان مما يرمى فيه ؛ فصار معدودا في ذلك لأجل الرّمى ، غير معلوم لعدم النحر فيه.
والحقيقة أنّ يوم النحر معدود بالرمي معلوم بالذبح ، لكنه عند علمائنا ليس مرادا في قوله تعالى : (وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ).
فإن قيل : فلم لا يكون ـ كما قلتم ـ يوم النّحر مرادا في المعدودات وتكون المعدودات أربعة والمعلومات ثلاثة؟ وكما يعطى ذكر الأيام ثلاثة كذلك يقتضى أربعة.
فالجواب أنّا لا نمنع أن يسمّى بمعدود ولا بمعلوم ؛ لأنّ كلّ معدود معلوم ، وكلّ معلوم معدود ، لكن يمنع أن يكون مرادا بذكر المعدودات ها هنا من وجهين : أحدهما أنّ يوم النحر كما قدمنا قد استحقّ أوله الوقوف بالمشعر الحرام ، ومنه تكون الإفاضة إلى منى ؛ فصار ذلك اليوم يوم الإفاضة ، وبعده قال الله تعالى : (وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ).
الثاني ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أيام منى ثلاثة فمن تعجّل في يومين فلا إثم عليه. ولو كان يوم النحر معدودا منها لاقتضى مطلق هذا القول لمن نفر في يوم ثانى النحر أن ذلك جائز ، ولا خلاف أن ذلك ليس (٤) له ، فتبيّن أنه غير معدود فيها لا قرآنا ولا سنة ، وهذا منتهى بديع.
__________________
(١) صفحة ١٣٩
(٢) سورة الحج ، آية ٢٨
(٣) في ا : ليذكروا. وهو خطأ.
(٤) في ل : فيه.
![أحكام القرآن [ ج ١ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3218_ahkam-alquran-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
