وفي الصحاح عن ابن السكيت يقال : أضللت بعيري إذا ذهب منك وضللت المسجد والزاد إذا لم تعرف موضعهما وكذلك كل شيء مقيم لا يهتدى إليه ، وحكي نحوه عن الفراء. وابن عيسى ، وذكر أبو البقاء في توجيه هذه القراءة وجهين جعل (رَبِّي) منصوبا على المفعولية ، والمعنى لا يضل أحد ربي عن علمه وجعله فاعلا والمعنى لا يجد ربي الكتاب ضالا أي ضائعا ، وقرأ السلمي «لا يضلّ ربي ولا ينسى» ببناء الفعلين لما لم يسم فاعله.
(الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً) إلخ يحتمل أن يكون ابتداء كلام منه عزوجل وكلام موسى عليهالسلام قد تم عند قوله تعالى : (وَلا يَنْسى) فيكون الموصول خبر مبتدأ محذوف والجملة على ما قيل : مستأنفة استئنافا بيانيا كأنه سبحانه لما حكى كلام موسى عليهالسلام إلى قوله : (لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى) سئل ما أراد موسى بقوله: (رَبِّي) فقال سبحانه : هو (الَّذِي جَعَلَ) إلخ ، واختار هذا الإمام بل قال : يجب الجزم به ؛ ويحتمل أن يكون من كلام موسى عليهالسلام على أن يكون قد سمعه من الله عزوجل فأدرجه بعينه في كلامه ولذا قال (لَكُمُ) دون لنا وهو من قبيل الاقتباس فيكون الموصول إما مرفوع المحل على أنه صفة لربي أو خبر مبتدأ محذوف كما في الاحتمال السابق وإما منصوب على المدح ، واختار هذا الزمخشري ، وعلى الاحتمالين يكون في قوله تعالى : (فَأَخْرَجْنا) التفات بلا اشتباه أو على أن موسى عليهالسلام قال ذلك من عنده غير سامع له من الله عزوجل ، وقال : فأخرج به بإسناد أخرج إلى ضمير الغيبة إلا أن الله تعالى لما حكاه أسنده إلى ضمير المتكلم لأن الحاكي هو المحكي عنه فمرجع الضميرين واحد ، وظاهر كلام ابن المنير اختيار هذا حيث قال بعد تقريره : وهذا وجه حسن رقيق الحاشية وهو أقرب الوجوه إلى الالتفات.
وأنكر بعضهم أن يكون فيه التفات أو على أنه عليهالسلام قاله من عنده بهذا اللفظ غير مغير عند الحكاية ، وقوله : «أخرجنا» من باب قول خواص الملك أمرنا وعمرنا وفعلنا وإنما يريدون الملك أو هو مسند إلى ضمير الجماعة بإرادة أخرجنا نحن معاشر العباد بذلك الماء بالحراثة أزواجا من نبات شتى على ما قيل ، وليس في «أخرجنا» على هذا وما قبله التفات. ويحتمل أن يكون ذلك كلام موسى عليهالسلام إلى قوله تعالى : «ماء» وما بعده كلام الله عزوجل أوصله سبحانه بكلام موسى عليهالسلام حين الحكاية لنبينا صلىاللهعليهوسلم ، والأولى عندي الاحتمال الأول بل يكاد يكون كالمتعين ثم الاحتمال الثاني ثم الاحتمال الثالث وسائر الاحتمالات ليس بشيء ووجه ذلك لا يكاد يخفى. وسيأتي إن شاء الله تعالى في الزخرف نحو هذه الآية ، والمهد في الأصل مصدر ثم جعل اسم جنس لما يمهد للصبي. ونصبه على أنه مفعول ثان لجعل إن كان بمعنى صيّر أو حال إن كان بمعنى خلق ، والمراد جعلها لكم كالمهد ، ويجوز أن يكون باقيا على مصدريته غير منقول لما ذكر ، والمراد جعلها ذات مهد أو ممهدة أو نفس المهد مبالغة ، وجوز أن يكون منصوبا بفعل مقدر من لفظه أي مهدها مهدا بمعنى بسطها ووطأها ، والجملة حال من الفاعل أو المفعول ، وقرأ كثير «مهادا» وهو على ما قال المفضل. كالمهد في المصدرية والنقل.
وقال أبو عبيد : المهاد اسم والمهد مصدر ، وقال بعضهم : هو جمع مهد ككعب وكعاب ، والمشهور في جمعه مهود ، والمعنى على الجمع جعل كل موضع منها مهدا لكل واحد منكم (وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلاً) أي حصل لكم طرقا ووسطها بين الجبال والأودية تسلكونها من قطر إلى قطر لتقضوا منها مآربكم وتنتفعوا بمنافعها ومرافقها ، وللدلالة على أن الانتفاع مخصوص بالإنسان كرر «لكم» وذكره أولا لبيان أن المقصود بالذات من ذلك الإنسان (وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ) من جهتها أو منها نفسها على ما في بعض الآثار (ماءً) هو المطر (فَأَخْرَجْنا بِهِ) أي بذلك الماء وواسطته حيث إن الله تعالى أودع فيه ما أودع كما ذهب إلى ذلك الماتريدية وغيرهم من السلف الصالح لكنه لا يؤثر إلا بإذن
![روح المعاني [ ج ٨ ] روح المعاني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3192_ruh-almaani-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
