وقال ابن عطية : هو عائد على الوقت المقدر في النظم الكريم أي قم وقتا من الليل فتهجد فيه (نافِلَةً لَكَ) فريضة زائدة على الصلوات الخمس المفروضة خاصة بك دون الأمة ، ولعله الوجه في تأخير ذكرها عن ذكر صلاة الفجر مع تقدم وقتها على وقتها ، واستدل به على أن ما أمر به صلىاللهعليهوسلم فأمته مأمورون به أيضا إلا أن يدل دليل على الاختصاص كما هنا ويدل على أن المراد ما ذكر ما أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال في ذلك يعني خاصة للنبي صلىاللهعليهوسلم أمر بقيام الليل وكتب عليه لكن صحح النون أنه نسخ عنه عليه الصلاة والسلام فرضية التهجد ونقله أبو حامد من الشافعية وقالوا إنه الصحيح.
وقيل الخطاب في (لَكَ) له صلىاللهعليهوسلم والمراد هو وأمته على حد الخطاب في (أَقِمِ الصَّلاةَ) فيما سبق أي فريضة زائدة على الصلوات الخمس لنفعكم ففيه دليل على فرضية التهجد عليه عليه الصلاة والسلام وعلى أمته لكن نسخ ذلك في حق الأمة وبقي في حقه عليه الصلاة والسلام بناء على ما أخرجه ابن أبي حاتم عن الضحاك قال : نسخ قيام الليل إلا عن النبي صلىاللهعليهوسلم أو ونسخ في حقه صلىاللهعليهوسلم أيضا بناء على الصحيح ، وهو خلاف الظاهر جدا ، ويجوز أن يراد بالنافلة الفضيلة إما لأنه عليه الصلاة والسلام فضل على أمته بوجوبها وأن نسخ بعد أو لأنها فضيلة له صلىاللهعليهوسلم وزيادة في درجاته وليست بالنسبة إليه مكفرة للذنوب وسادّة للخلل الواقع في الفرائض كما أنها وسائر النوافل بالنسبة إلى الأمة كذلك لكونه عليه الصلاة والسلام قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وفرائضه وسائر تعبداته واقعة على الوجه الأكمل.
وقد أخرج هذا الأخير البيهقي في الدلائل وابن جرير وغيرهما عن مجاهد ، وابن أبي حاتم عن قتادة ، وابن المنذر عن الحسن ، واستحسنه الإمام ، وضعفه الطبري ، وجوز ابن عطية عموم الخطاب كما سمعت آنفا إلا أنه حمل نافلة على تطوعا وليس بشيء أيضا ، وربما يختلج في بعض الأذهان بناء على ما تقدم عن أبي البقاء في قوله تعالى : (سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا) من أنه بتقدير اتبع سنة كما قال سبحانه : (فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ) [الأنعام : ٩٠] احتمال أن يكون قوله تعالى : (أَقِمِ الصَّلاةَ) إلخ بيانا للاتباع المأمور به ، وهو متضمن للأمر بالصلوات الخمس ، وقد كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يصلونها على ما يدل قول جبريل عليهالسلام في خبر تعليمه عليه الصلاة والسلام كيفية الصلاة بعد صلاته الخمس : هذا وقت الأنبياء من قبلك فإنه ظاهر في أنهم عليهمالسلام كانوا يصلونها ، غاية ما في الباب أنه على القول بأنها لم تجتمع لغير نبينا صلىاللهعليهوسلم وهو الصحيح يحتمل أن المراد أنه وقتهم على الإجمال وإن اختص من اختص منهم بوقت ، حيث ورد أن الصبح لآدم ، والظهر لداود ، وفي رواية لإبراهيم ، والعصر لسليمان ، وفي رواية ليونس ، والمغرب ليعقوب ، وفي رواية لعيسى ، والعشاء ليونس ، وفي رواية لموسى عليهمالسلام إلا أن ذلك لا يضر بل هو أنسب بالأمر باتباع سنة جميعهم ، وقد استدل الإمام على أنه صلىاللهعليهوسلم أفضل من سائر الأنبياء عليهمالسلام بقوله تعالى : «فبهداهم اقتده» من جهة أنه عليه الصلاة والسلام أمر بالاقتداء بهدي جميعهم وامتثل ذلك فكان عنده من الهدى ما عند الجميع فيكون أفضل من كل واحد منهم ، وحينئذ يقال معنى كون ذلك نافلة له عليه الصلاة والسلام أنه زائد على الصلوات الخمس خاص به صلىاللهعليهوسلم دون سائر الأنبياء عليهمالسلام المأمور باتباع سنتهم ، وهو مما لا ينبغي أن يلتفت إليه ويعول عليه بل اللائق به أن يجعل من قبيل حديث النفس وتخيلها بحرا من مسك موجه الذهب فإن فساده تأصيلا وتفريعا مما لا يخفى على من له أدنى مسكة وأقل اطلاع ، والله تعالى العاصم من الزلل والحافظ من الخطأ والخطل ، وانتصاب (نافِلَةً) إما على المصدرية بتقدير تنفل ؛ وقدر الحوفي نفلناك أو بجعل تهجد بمعنى تنفل أو بجعل نافلة بمعنى تهجدا ، فإن ذلك عبادة زائدة ، وإما على الحال من الضمير الراجع إلى القرآن أي حال كونه صلاة نافلة كما
![روح المعاني [ ج ٨ ] روح المعاني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3192_ruh-almaani-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
