المستقبل (فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما) (١) ... ، وهى إشارة إلى رسالة النبى صلىاللهعليهوسلم التى اخترقت عالم المادة ، والماضى والمستقبل ... ، إنه تجسيد لرحلتنا عبر الوجود من الدنيا إلى البرزخ ... ، إلى الآخرة ... ، أو عالم الظاهر والأسباب وعالم ما وراء المادة والمكان والزمان وهو البرزخ حيث التحرر من عالم المكان والزمان ، وهو لا يحتاج وقت أو زمن ، فنجد قوله (حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ) (٢) ... ، فالفاء تدل على السرعة ، حيث الغلام يشير إلى الزمن المستقبل وهو ما وراء المادة والمكان والزمان ، فيأتى نكرة وليس معرفا كالسفينة التى تشير للمكان المادى ... ، والغلام يشير إلى المستقبل حيث يرث والده فى المستقبل وهى إشارة لاختراق حاجز المكان والزمان ... ، وأما فى الرحلة الثالثة على أهل القرية نجد قوله سبحانه (اسْتَطْعَما أَهْلَها) (٣) وهى إشارة أنهما استطعما جميع أهل القرية دليل على اختبارهم العقائدى والفكرى لأهل تلك القرية ، وأنهم أبو الضيافة ذاتها ... ، وهذا يثبت أن هدف العبد الصالح لم يكن الطعام ، وإنما امتحان الجانب الفكرى ... ، وهذا يثبت أن الرسالة الأخيرة لا تحمل الظاهر فقط كما فى الرسالة الأولى لموسى عليهالسلام ... ، أو الروح فقط كما فى رسالة عيسى عليهالسلام ... ، بل هى موازنة بين المادة والروح والاختبار وفى النهاية هناك أسرار الغيب (وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ) (٤) ... ، لذلك يجب أن لا يفسر القرآن فى حدود عقولنا المحدودة بالمكان والزمان ... ، ولكن يفسر من منظار الحكمة المطلقة لله تعالى ... ، وإدراك أننا لن نصل إلى كل أسراره ... ، فعلينا بالاستقامة لأن إبليس لا يغوى صاحب الطريق المعوج لأنه أضله وانتهى من ذلك حتى صار من شياطين الإنس ، ولكن يحاول إضلال أهل الطاعات ، ويزين لهم العصية ، يقول تعالى مصورا ذلك (قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ) (٥) ... ، فهو لم
__________________
(١) سورة الكهف الآية ٨٢.
(٢) سورة الكهف ٧٤.
(٣) سورة الكهف الآية ٧٧.
(٤) سورة آل عمران الآية ٧.
(٥) سورة الأعراف الآية ١٦.
