الاجتماعي المر السائد وقتئذ في فرنسا (١). وقد كانت باريز ، في نظر الصفار ، مدينة تقطنها نساء عفيفات ، ويعمرها رجال جادون مجدون في عملهم لا يبغون غير خدمة مصالح دولتهم العادلة والمحكمة التنظيم. وبذلك كانت باريز ، هي ذلك الموضع السحري الحافل بكل ما هو رمزي ، وهي أيضا المكان الطبيعي الذي تحققت على أرضيته أهداف الرحلة. إن الصفار حين نسب تلك المجموعة من الصفات المثالية إلى باريز ، قد ارتقى بها إلى درجة ما هو مقدس ، وكثف من درجة الحوار مع بلده تكثيفا أدى إلى وجود معنى تحتي متميز وقائم الذات لرحلته.
ولا بد من أن يخلق التعاقب الموجود بين المقدس وما هو دون ذلك في موضوع الرحلة ، توترا لا مفر منه في وعي الرحالة ، بين المكان الذي تمت زيارته والمكان الذي خلفه وراء ظهره. ورغم محاولتنا الهادفة إلى تناسي موطننا ، فإن هناك لحظات لا تعد ولا تحصى أثناء الرحلة لا بد أن تذكرنا (٢) به. وإن تجربة الرحلة أشبه ما تكون بمرآة ذات وجهين ، أحدهما يعكس ما هو جديد ، والآخر يحتفظ بصورة الأشياء المعروفة. وبصفة حتمية ، يجد المرء نفسه وقد بدأ يفكر وفقا لأسلوب المتناقضات ، سواء منها ما هو متلائم أم غير متلائم مع الأشياء الجاري بها العمل في الموطن الأصلي للرحالة المسافر. وقد أثارت السرعة والظروف المريحة التي كان يتم بها التنقل في أرجاء فرنسا لدى الصفار ما تعرفه أحوال السفر والتنقل في المغرب من صعوبات ؛ كما ذكرته المراعي الخصبة التي شاهدها عبر نوافذ العربة بحقول بلاده اليانعة الأكثر اخضرارا.
وعند نقط الاختلاف هذه ، ينقلنا الكاتب ليقربنا إلى حد بعيد من إدراك طبيعة تلك السيرورة الخيالية التي تقع فيها الرحلة. وتلك هي اللحظات التي يصبح فيها الإيقاع بين العالم الداخلي والخارجي منسجما بما فيه الكفاية وبالشكل الذي يسمح
__________________
(١) في سنة ١٨٤٢ كتب أوجين سو (Eugene Sue) سلسلة من المقالات في جريدة جورنال دي ديبا (Journal des de؟bats) ، تحت عنوان : "Les myste؟res de Paris " ، أطلع فيها القراء على «العالم السفلي المخيف لباريز نتيجة للفقر وسيادة العنف». انظر :
David Pinkney, Decisive Years in France, ٠٤٨١ ـ ٧٤٨١) Princeton, ٦٨٩١ (, p. ٧٩.
(٢) I. de Sola Pool," Effects of Cross ـ national Contact on National and International Image", in H. Kelman, ed., International Behavoir, a Social ـ psychological Analysis) New York, ٥٦٩١ (, p. ٢٢١.
