وبعد ذالك بأيام ، حثوا علينا في الذهاب لقصرين من قصورهم السلطانية خارج باريز ، أحدها ببلدة يقال لها سنكلو (١) ، والآخر ببلدة أخرى يقال لها فرسان (٢) وهما قريبان من باريز. فذهبنا إليهما ، فإذا هما من القصور المشيدة ، احتف بكل واحد منهما بستان عظيم ، فيه أشجار أنيقة ومياه متدفقة ، وخصص وصهاريج وتماثيل كلها تبزق الماء الزلال. ومما رأيناه في واحد منها طبلة من الرخام ، زعموا أنها كانت خشبة وألقيت في الماء وبقيت فيه حتى صارت رخامة ، وذالك عندهم خشب مخصوص. واعتناؤهم في البساتين غالبا إنما هو مد الطرقات وتعديلها ، وتنقية الأشجار حتى تكون مستوية مع بعضها بعضا من فوق ومن تحت. وفيها جلسات وتربيعات وأشكال النباتات ، وبيوت للنباتات التي لا يخرجونها زمن البرد. والماء بها كثير ، ولا يدرك لها طرف لكبرها.
وغالب ما رأيناه في قصور في فرسان تصويرات الحروب من أول الزمان إلى الآن ، لاكن لا يصورون إلا الحروب التي كانت لهم فها الغلبة ، ولا يصورون أنفسهم. ومما يحكى ، أن شخصا مر بالسوق فرءا الناس ، مجتمعين على صورة رجل وأسد تعاركا فغلب الرجل الأسد ، فذهب فلقي أسدا فأخبره بما رءا فقال له : «لو كان الأسد يعرف التصوير لرأيت ما يفعل ، وحيث لا يعرفه ، فليصور كل واحد ما شاء».
وفيه تصاوير كبرائهم وعظمائهم وسلاطينهم وشجعانهم ورهبانهم ، منها ما هو من الحجارة ومنها ما هو نقش ورقوم. فرأينا عندهم هناك صورة دخولهم مدينة الجزائر ودخولهم مدينة القسمطينة. وصورة تغلبهم على تلك النواحي كلها. وصورة السلطان العثماني عبد المجيد ، وصورة محمد بن علي باشا مصر. وغالب درج هذا القصر من المرمر الملون ، وفيه مواضع وبيوت كانت لسلطانهم لويز السادس عشر (٣). ولما مات بقيت تلك الأماكن على هيئتها بجميع أثاثها ، يحفظ ويصان حتى فراشه ومواضع جلوسه وتاجه وكنيسته ، الكل باق على حاله إلى آخر ما هنالك من الزخارف.
__________________
(١) سان كلود ، ويقابلها بالفرنسية (Saint Could).
(٢) يقصد فرساي وبالفرنسية هكذا :(Versailles).
(٣) وهو ملك فرنسا الذي أعدم هو وزوجته ماري أنتوانيت (Marie Antoinette) بمقصلة الثورة الفرنسية والتي لم يقل عنها الصفار شيئا على الإطلاق في متن رحلته ، انظر :
Dictionnaire d\'histoire de France Perrin, ed ١٨٩١., s. v." Louis XVI".
