الخمر المعروف ، والآخر خمر يسمونه الشنيالية (١) ، إذا صبت في الكأس علتها كشكشة كبيرة ثم تنزل وتصفوا ، وهي عندهم أرفع من مطلق الخمر. ولا يكثرون من الشرب حتى يثملوا أو يتمايلوا ، فإن ذالك عندهم معيب وفاعله لا يعد من أهل المروءة (٢).
وهاؤلاء القوم لا يكترثون بادخار القوت ، ولا يوجد فى بيوتهم إلا حين الأكل حتى بيوت أكابرهم وأهل الثروة منهم. ولا يعجنون الخبز في ديارهم كما عندنا ، وكل ذالك في الأسواق. فإذا كان أول النهار ، دفع رب الدار لخادمه الدراهم ، فيذهب ويشتري كل ما يحتاجون إليه في ذالك اليوم من خبز ولحم ودجاج وسمك وخضر وغير ذالك.
والدجاج يباع عندهم ميتا منتوف الريش ولا يذبحونه ، وكذالك سائر صيدهم من أرانب وطير وغيره. كله ميتة لا يذبحون شيئا منه ، ويرون أن في خنقه بقاء قوته (٣). فيأتي الخادم بالنفقة للدار ، فيطبخ منها ما يطبخ ويشوي ما يشوى ، ويعالج كل نوع بما يستحقه. وهذه عادتهم كل يوم ، فلا يتكلف أحد منهم بشراء زروع ولا طحنه ولا ادخاره (٤). وعلى أرباب الأسواق إقامتها بما يكفي المدينة ، حتى لا يفقد منها شيء طول السنة.
ومما يستحسن عندهم ، أنك لا تجد شيئا عندهم بالازدحام عليه ، فهذه المدينة على كبرها وامتلائها ، لا تفقد فيها شيئا من الأطعمة ، ولا تراه بالزحام أصلا ، حتى تظن أنه لا يشتري أحد شيئا من ذالك ، لكثرة ما ترى منه في الحوانيت والأسواق.
__________________
(١) أراد الصفار أن يقول خمرة الشامبانيا المشهورة :(champagne).
(٢) وردت الملاحظة نفسها عند الغساني ، افتكاك ، ص. ٣٧.
(٣) وفي ذلك مخالفة تامة للشريعة الإسلامية التي لا تحل على المسلمين أكل لحوم الحيوانات غير المذبوحة. وتدخل الحيوانات التي تخنق عوضا عن ذبحها في عداد «الميتة» ، انظر : SEI ,s.v ـ ـ "maita "
(٤) من عادة المغاربة تخزين بعض أصناف المواد الغذائية ، إذ يستغلون الفرق الحاصل في أثمانها حسب الفصول. فيشترون كميات كبيرة من القمح في موسم الحصاد ، ويطحن جزء منه فيصبح دقيقا ، ثم يحول إلى كسكس أو إلى سميد ، ويوضع الكل في أكياس تخزن في مواضع معينة من البيت ، وتكون صالحة للاستهلاك طوال فصول السنة.
