البحر أو أصابته جائحة ، فإنها تغرم له كل ما ضاع له ، وتعيد له داره أو حانوته كما كانت. ومنها جمعية تسمى الكنبية (١) : وهي أن الجماعة من التجار أو غيرهم ، يجتمعون ويخرج كل واحد ما استطاع من المال ، ويشتركون في استخراج المعادن وتصويب الطرق وبناء القناطر وعمل القوارب والفلائك في الأنهار والأودية. على أن يقيموا كل ذالك بما يحتاج إليه ، وما حصل فيه من المستفاد يقتسمونه على حسب رءوس أموالهم ، ويدفعون لبيت المال شيئا معلوما ليمكنهم من ذالك. لأن كل هذه الأمور كلها لبيت المال ، بعد أن يحدّ لهم في ذالك حدا معلوما. ومن قوانينهم ، أن الإنسان لا يشرع في التجارة إذا أرادها ، إلا إذا دفع لبيت المال قدرا معلوما ، ويعطونه نيشانا (٢) علامة على الإذن له في ذالك.
وعلم التجارة عندهم من جملة العلوم التي تدرّس وتدوّن ولها مكاتب ومدارس. وللنساء مهارة في التجارة كالرجال أو أكثر ، فغالب من يعمر الحوانيت النساء. ومن حرصهم على التكسب ، أنك لا تجد عندهم فقيرا قادرا على الشغل يسئل الناس ويمنعونه من ذالك ، ويرون أن إعطاء القادر على الشغل فيه إعانة على الكسل وعدم التكسب.
وأهل باريز موصوفون بذكاء العقل وحدة الذهن ودقة النظر (٣) ، ولا يقنعون في
__________________
(١) يريد أن يقول كبانية ، ويقابلها في الفرنسية (compagnie). وكل المعلومات التي ساقها الصفار للحديث عن شركة المحاصة ، مستمدة من رفاعة الطهطاوي. أما عن الدور الذي قامت به شركات المحاصة في تصنيع فرنسا ، فيمكن الرجوع إلى كتاب : Pinkney ,Decisive Years ,pp.٦٣ ـ ٩٣.
(٢) النيشان ، هي الرسائل التي كان يحررها الكتاب العاملون في بلاط الإمبراطورية العثمانية ، فيضع السلطان خاتمه عليها بعد موافقته على مضمونها. انظر التامكروتي ، En ـ nafhat ,p.٢٦
(المعرب) : واستعمل المغاربة هذه الكلمة في القرن التاسع عشر للحديث عن الأوسمة التشريفية المعروفة في الفرنسية بالميداليات هكذا :(me؟dailles) والكلمة أصلها من الفارسية وتعني العلامة ، وقد دخلت التركية وتطلق على العلامة التي تنصب بقصد التدريب على الرماية. كما تطلق الكلمة على الشارة والشعار. وما يقصده الصفار هنا بالنيشان هو الرخصة المعروفة في الفرنسية بليسانس هكذا :(licence). انظر أحمد سليمان ، تأصيل ما ورد في تاريخ الجبرتي من الدخيل (القاهرة ، ١٩٧٩) ، ص. ١٩٠.
(٣) اعتمد الصفار في هذه النقطة على الفصل الثاني الذي وضع له الطهطاوي العنوان التالي : «في الكلام على أهل باريس وصفاتهم» ، تخليص ، ص. ٧٥ ـ ٩١ ؛. ١٣١ ـ ١١٨.L\'or ,pp
