قديم ، فيها قلع وحصون ، والناس يظهرون ماشين في أزقتها ويظهر كأن السماء فوقها مغيمة ، فجعل الغيم يشتد والظلمة تنزل حتى أظلمت. وكانت الظلمة جائية من خلف المدينة ، فبمجرد وصولها لها صرصرت ريح عاتية ويسمع لها دوي وصفير ، وأخذ المطر ينزل كأفواه القرب ، وتكلم رعد عظيم له دوي من فوق ، ونحن نسمع وقع المطر على السقف كأنه حقيقة. ثم ظهر نور في الأفق خلف المدينة كأنه الفجر قد طلع ، حتى انجلى الضوء ، فجعل المطر ينزل ويظهر كأنه مار بين الجبال له خراطيم عظيمة ، وكأنه يجيء إلى المدينة بحر من خلفها مما انحدر من الجبال وسال من الأودية من مياه المطر حتى كأنه يريد أن يغرق المدينة. ثم أرخيت الستارة وانتهى ، وكان هذا كله في نحو ربع ساعة ، وكانوا يصورون بذالك الطوفان لاكن لم يكملوه.
وتارة يكون لعبهم المذكور برقص تلك الجواري ، فيمسكن بأيدي بعضهن بعضا ويأخذن في رقص عجيب وتليين أعضائهن وتثنية معاطفهن ، حتى يكاد أن يلتقي فمها بعقبها من خلف ، ويقفزن على رجل واحدة ويدخلن في بعضهن بعضا حتى كأنهن لسن آدمييات. وتارة يمسك واحد من الرجال واحدة من تلك الجواري ويتراقصان.
وهذه التياتروا ليست مجمعا للحرافيش والأوباش ، بل يحضرها أكابرهم وأهل المروءة منهم ، ويحضرها الرجل وزوجته وبناته ، والرجل وأصحابه. ويجعلها السلطان في داره ، وله في داره محل معد لها ، فيدعوا اللعابين والمتفرجين ، ويجلس هو وأولاده ونساؤه ونساء أولاده وجميع وزرائه وخواصه ، وأهل اللعب يلعبون بالرقص والتعاشق وغير ذالك ، وهم ينظرون وينشطون بذالك. ويزعمون أن في ذالك تأديبا للنفوس وتهذيبا للأخلاق وراحة للقلب والبدن ، ليعود إلى شغله بنشاط وقريحة.
|
أفد طبعك المكدود بالجد راحة |
|
يجم وعلله بشيء من المزح |
وسئل الشعبي هل كان أصحاب رسول الله صلىاللهعليهوسلم يضحكون؟ قال نعم والإيمان في قلوبهم مثل الجبال الرواسي (١). وكان نعيمان الصحابي من أولع
__________________
(١) مأخوذ عن كتاب ابن حجر العسقلاني (المتوفى في ٨٥٢ / ١٤٤٩) ، الإصابة في تمييز الصحابة (كلكوتة ، ١٨٥٦ ـ ١٨٩٣) ، ٣ : ٥٦٩ ـ ٥٧٠. وأيضاEI ٢ ,s.v."Ibn Hadjar Al ـ؟Askalani " وأقدم هنا شكري الجزيل للأستاذ المهداوي المدغاني الذي أرشدني إلى هذا المصدر. أما عن الشعبي ، فهو عمر بن شرحبيل الشعبي من مشاهير علماء القرن الثامن الميلادي.
