وقد ركبنا في طريق حديد أخرى من باريز لبستان من بساتينهم (١) ، فمررنا في مواضع تحت الجبال حتى وقعنا في الظلمة الشديدة ، فاحتاجوا أن يجعلوا فيها قناديل تضيء بالنهار. وبقينا سائرين تحت واحد نصف ميل ، فلما خرجنا رأيت أنه كان فوقنا أشجار وبناء وأرضون ونحن سائرون تحتها.
وطرق الحديد عندهم على ضربين ، أحدهما ما يقيمه البيلك بمعنى بيت المال عندنا (٢) ، والآخر ما يقيمه التجار وهو الغالب. وذالك عندهم ضرب من التجارة ، فيجتمع جماعة منهم ويتفقون على ذالك ، ثم يحزرون كم يصرف عليها من المال ، فإذا قيل مثلا مليون فيفرقون ذالك المليون على عشرة من الناس ، كل واحد يعطي ماية ألف ويكتبون بذالك أوراقا عشرة ، والمكتوب فيها اصطلاح لهم ، بحيث يعلم منه أن من بيده ورقة من تلك الورقات دفع في تعديل الطريق كذا فيأخذ من مستفادها على قدر ما دفع عشره مثلا. وإذا كتبوا الأوراق باعوها ، فكل من يأخذ ورقة يدفع ماية ألف حتى تنفذ الأوراق كلها ، ويجتمع المليون فيصرفونه عليها ويقيمون منه الخدمة وسائر الإقامات وما يحتاج إليه في ذالك. فإذا تمت وأخذ الناس يمرون فيها ويدفعون الخراج ، فكل ما يستفاد منها يقسم بين الدافعين للمال ، كل واحد على قدر ما دفع ، وذالك بعد أن يأذن لهم في ذالك السلطان أو من له النظر في ذالك. ويحد لهم حدا في قدر المقبوض من المارين ومدة دوام القبض ، فإذا انتقضت رجعت الطريق للبيلك هو يأخذ مستفادها أو يتركها للناس مجانا (٣).
ومن أراد من أهل هذه الورقات أن يبيع ورقته باعها ، فإن نتج المستفاد والربح
__________________
(١) ويتعلق الأمر بطريق السكة الحديدية الرابط بين باريز وفرساي ، والذي كان مسرحا لوقوع حادثة سككية اكتست طابعا كارثيا سنة ١٨٤٢. انظر :.Schivelbusch ,Railway Journey ,p.١٣١
(٢) بيت المال في المغرب ، هو المكان الذي كانت تخزن فيه ثروات السلاطين. وخلال الفترات السابقة لعهد الحماية كانت المدخرات المالية متمركزة في ثلاثة قصور سلطانية ، توجد في كل من فاس ومكناس ومراكش. انظر : العز ، ج ١ ، ص. ١٠٤.
(٣) حول موضوع تمويل مشاريع السكك الحديدية في فرنسا ، انظر :
F. Braudel et E. Labrousse. eds., Histoire e؟conomique et sociale de la France, vol. ٣ : L\'ave؟nement de l\'e؟re industrielle) ٩٨٧١ ـ ٠٨٨١ (, premie؟re partie) Paris, ٦٧٩١ (, pp. ٧٥٢ ـ ٢٦٢; Pinkney, Decisive years, pp. ٦٣ ـ ٧٣, ٥٤ ـ ٦٤.
