العديدة التى لا تقع تحت حصر من طراز «كتاب مياه وجبال بلاد العرب» (٢٣) و «كتاب أسماء جبال تهامة ومكانها» (٢٤) ، وهى رسائل غلب عليها الطابع اللغوى أكثر من الطابع الجغرافى ولكنها مهدت الطريق شيئا فشيئا إل ظهور الأدب الجغرافى.
ولما أخذ الشعر يثبت فى قوالبه التقليدية بعد ظهور الإسلام بدأ ذكر المواضع والأمكنة فى النسيب يفقد أحيانا أساسه الواقعى فى الحياة ويتحول إلى مجرد أسماء تجمع من هنا وهناك ، ربما كانت من صنع المخيلة أحيانا. غير أن الوضع لم يكن كذلك قبل ظهور الإسلام ، وقد أثبتت سلسلة من الأبحاث أن المادة «المكانية» (Toponomy) للشعر الجاهلى يمكن أن تسوق إلى نتائج طيبة لو أخضعت لدراسة دقيقة (١). ويذكر قستنفلدWüstenfeld ، وهو من الملمين بجغرافيا بلاد العرب ، وذلك فى كتابه «البحرين واليمامة» Bahrein und Jemama (٢٥) أن : «.......... وجود الأعلام الجغرافية عند الشعراء يمثل بالنسبة لأبحاثنا مادة لا تقدر بثمن ؛ وكثيرا ما يقدم شراحهم ، الذين استقى منهم مادته أمثال البكرى وياقوت ، معلومات فى غاية من الدقة لأنهم بذلوا مجهودا كبيرا فى جمعها وتحقيقها وتجشموا السفر إلى مواضع نائية ليتحققوا بأنفسهم من مواقع المواضع التى ذكرها الشعراء ويسألوا الأعراب عنها. وحينما تتفق معطياتهم فليس ثمة ما يدعونا إلى التشكك فى صحتها».
هذا ولم تتجاوز المدارك الجغرافية عند عرب الجاهلية حدود جزيرتهم إلا نادرا. وقلما وجدت لديهم أفكار عامة فى الجغرافيا. ويرد بالطبع فى شعرهم ذكر الأنهار مثل دجلة والفرات ، والأقطار مثل العراق والشام ، والمدن مثل بعلبك ودمشق ، ولكن نادرا ما ارتبطت بهذه الأسماء أية تجارب واقعية. ونفس هذا يصدق على الشعوب المجاورة لهم باستثناء اليهود الذين قطنوا معهم فى جزيرة العرب ، فكثيرا ما ورد لديهم ذكر الروم (البيزنطيين) والعجم (الفرس). ويبدو أن ذكر الترك والكابليين فى أواخر القرن السادس (٢٦) كان من قبيل المصادفة ؛ وهذان الاسمان يردان فى المترادفات من قبيل الإتباع والمزاوجة لدى النابغة الذبيانى والأعشى ، وهما شاعران عرفا بكثرة التسفار وبمعرفتهما الجيدة بدول الثغور فى شمال الجزيرة العربية. والأول فى قصيدة له يرثى فيها أحد أمراء الغساسنة يقول إنه قد بكته الغساسنة وبلادهم حوران والترك والفرس والكابليون ، ويجدر بنا بالطبع أن نبصر فى اللفظ الأخير شيئا مدخولا. أما الأعشى فيذكر فى وصف لأحد مجالسه الخمرية أنه كانت «تركض» حولهم الترك والكابليون (٢).
__________________
(*) ظهر فى الآونة الأخيرة بحث باللغة الألمانية فى هذا الموضوع هو :
. U. Thilo, Die Ortsnamen in der altarabischen Poesie. ٩٥٩١
(المترجم)
(**) أبيات الأعشى هى :
|
ولقد شربت الخمر تر |
|
كض حولنا ترك وكابل |
|
كدم الذبيح غريبة |
|
مما يعتق أهل بابل |
|
باكرتها حولى ذوو |
|
الآكال من بكر بن وائل |
(المترجم)
![تاريخ الأدب الجغرافي العربي [ ج ١ ] تاريخ الأدب الجغرافي العربي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3064_tarikh-aladab-aljografi-alarabi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)