الفهرى الأندلسى (١) (١) الذى ولد بسبتة فى عام ٦٥٧ ه ـ ١٢٥٩ وخرج من المرية لأداء فريضة الحج فمر فى طريقه بشمال أفريقيا ومصر وزار الشام أيضا. وعند عودته اشتغل بعض الوقت بالتدريس فى غرناطة ثم أمضى بقية عمره فى كنف عثمان الثانى من بنى مرين بفاس إلى وفاته بها فى عام ٧٢١ ه ـ ١٣٢١. وإلى جانب مؤلفاته العديدة فى الحديث فإن له وصفا لرحلتين مختلفتين من حيث العنوان ولكنهما تحملان أحيانا اسما جامعا هو «الرحلتان». أما الأولى منهما فيصف فيها طريقه فى أفريقيا والمرجح أنها وجدت فى عدة أجزاء ، غير أن ما تبقى منها موجود بمكتبة الاسكوريال وهو بخط يد المؤلف ويعالج الكلام عن علماء الإسكندرية والقاهرة فى نهاية القرن الرابع عشر ؛ وعنوانها الذى تغلب عليه الصنعة يعكس بحق مضمون هذه الرحلة وهو «ملء العيبة فى ما جمع بطول الغيبة فى الوجهة الواجهة إلى الحرمين مكة وطيبة» (٢). أما الرحلة الثانية فتتناول الكلام عن أهل الحديث والفقهاء الأندلسيين وقد فرغ من تأليفها فى حوالى عام ٦٨٩ ه ـ ١٢٩٠ بسبتة. وكلا الرحلتين كانتا فى جوهرهما تمثلان الطراز المعروف لنا جيدا وهو «يوميات عالم» ، ومما يلفت النظر فيهما أن المؤلف إلى جانب اهتمامه بالأدب يهتم كذلك بالتاريخ الطبيعى. ومن الممكن تكوين فكرة واضحة عن كتابيه ومحتوياتهما ولو من خلال تلك الشذرة التى يفردها للكلام عن مصحف عثمان الموجود بمسجد قرطبة والتى نقلها عنه المقرى (٣) فى القرن السابع عشر ، وكذلك من خلال موقفه من صدق عقيدة الشاعر إبراهيم بن سهل (٤) أو الكاتب ابن حبيش الذى كان تلميذا له (٥). وإلى هذا العصر نفسه بالتقريب ترجع «رحلة» محمد بن أحمد التجانى الذى لا علم لنا بتفاصيل سيرة حياته بل إن اسمه لم يثبت حتى الآن بصورة قاطعة (٦). وكل ما يمكن استقراؤه من مصنفه أنه خرج من تونس لأداء فريضة الحج عام ٧٠٦ ه ـ ١٣٠٩ فى صحبة أمير من بنى حفص هو يحيى بن زكريا ، وفيما بعد عندما أصبح هذا الأمير حاكما على تونس صار التجانى من عماله المقربين إليه. وتاريخ وفاة التجانى كتاريخ ميلاده مجهول لنا جهلا كاملا.
ولما كان سير الرحالة بطيئا ومجالها محدودا فقد كان ذلك فى مصلحة الوصف إلى حد كبير إذ تمكن المؤلف بذلك من الوقوف عند كل ما يمكن ملاحظته فى طريق سيره القصير. وقد برهنت رحلته على أهميتها الكبرى وذلك بتزويدها لنا بمعلومات وافية عن جميع المناطق التى زارها وعن الأصقاع المجاورة لها. وهى تتناول مسائل الجغرافيا كما تتناول مسائل التاريخ الطبيعى وبوجه خاص التاريخ البشرى ؛ وكما جرت العادة فإنه يستشهد بمختلف المؤلفين ويقتبس أحيانا من الوثائق ، أما أسلوبه فى العرض فأدبى صرف ولكنه لا يثقله بالانطباعات الشخصية أو بمحاولة التدليل على سعة معارفه ومهارته ككاتب فهو فى هذا الصدد أفضل بكثير من غيره من الكتاب الذين عالجوا التأليف فى هذا النمط. وبعد قرن من الزمان
__________________
(*) راجع المقال الذى دبجه يراع العلامة المغربى محمد الفاسى عن هذا الرحالة ونشر «بمجلة معهد المخطوطات العربية» (المجلد الخامس ، ١٩٥٩). (المترجم)
![تاريخ الأدب الجغرافي العربي [ ج ١ ] تاريخ الأدب الجغرافي العربي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3064_tarikh-aladab-aljografi-alarabi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)