الجواب : أن «لكم» لا يخصنا نحن الإنسان من ولد آدم الأخير ، بل تعم كل من يستأهل الخطاب ب «كم» ممن عاش على وجهها منذ الملايين من السنين ، وكما عن الإمام الصادق عليه السلام : إن الله تعالى خلق ألف ألف عالم وألف ألف آدم وأنت في آخرهم.
ف «كم» هنا ، تعني عامة المكلفين العائشين على وجه الأرض ، منذ جعلت ذلولا ، أو ان الخطاب هنا تختصنا تشريفا وتكريما لنا ، كأنما الأرض ذللت لنا ، وقد كانت مذللة لمن سبقنا. فقد أخذت الأرض ـ بجوها ـ تقبل بخار المياه وتبدلها ماء ، وتقبل مياه السماء واختباءها في عيونها ، وإنبات الأرض نباتها ، فإعاشة حيوانها وإنسانها ، وكما نجد عرض التكامل الأرضي في الآيات من فصلت.
إننا ـ لطول ألفتنا بالحياة على هذه الذلول ، وسهولة استقرارنا عليها ، وسيرنا فيها ، واستغلالنا لتربتها ومائها وكلاءها وهوائها ـ نحن ننسى نعمة الله في تذليلها لنا ، والله تعالى يذكرنا إياها ويبصرنا بها في هذا التعبير العبير ، عديم النظير ، الذي كله علم وحكمة وموعظة وذكرى : يوحي ان هذه التي نراها مستقرة ثابتة ، هي كدابة دائبة الحركة متحركة ، رامحة راكضة مهطعة ، لا تبعثر راكبها ، ولا تتعثر خطاها ، ثم هي حلوب : (فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ).
فيا لها من إشارة عابرة في الذكر الحكيم عن مركوبنا ، تحمل ما لم يتحمله العلم على تقدمه البارع ، مدى التأريخ وحتى الآن.
فالأرض ذلول في حركاتها حول نفسها وحول شمسها ، وهي معها حول فلك جماعي تحول حولها المنظومة الشمسية ، بسرعة على ترتيب : ألف ـ خمسة وستين ألف ـ عشرين ألف : ميلا في الساعة ، ومع هذه الركضات المسرعة يعيش عليها الإنسان آمنا دون اضطراب فيها ، ولا انفلات عنها ، ولا دوخة وارتجاج في مخه ، وفي كل هذه الدورانات حكم لا يحصيها العلم ، وإن وصل إلى بعضها.
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ٢٩ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3058_alfurqan-fi-tafsir-alquran-29%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
