الناعمة اللينة ، حركات لولاها لا نصدمت الأرض ومن عليها ، بما لم يكن ليجبرها أيّ جابر.
فالأرض جعلت ذلولا في حركاتها وحرارتها وجرمها وكل ما يصلح للحياة فيها ، وهذه هي غاية الذل ومبالغته المستفادة من صيغة المبالغة «ذلول».
وآية القرار : (اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً) (٤٠ : ٦٤) ليست بالتي تسكن الأرض عن حراكها ، بل تقر الأرض في حركاتها ، إذ «القرّ» أصله البرد ، إيحاء بسابق حرارة الأرض وشماسها في حركاتها المجنونة ، فجعلها ذلولا ، ومن ذلّها قرارها : برودتها لحدّ تحنّ لعائشيها وراكبيها أن يمشوا في مناكبها ويأكلوا من رزقه.
ثم نجد آيات : «الكفات» ، و «المهاد» ، «والراجفة التي تتبعها الرادفة» و (كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) نجدها تصريحات في حركات الأرض ، كما درسناها وندرسها في طياتها.
فمن أسباب جعل الأرض ذلولا جبالها الرواسي وكما في خطبة لعلي عليه السّلام : «وعدّل حركاتها بالراسيات من جلاميدها» ومنها تبريدها عن حرارتها الزائدة (اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً) (٤٠ : ٦٤).
إن هذه الجبال الشاهقة الخشن الملامس ، الصعبة المسالك ، التي جعلت للأرض أثقالا وأوتادا ، وللخلق معقلا ، إنها مع سائر المرتفعات هي مناكب الأرض ، وقد ذللها الله تعالى على شموخها أن نمشي عليها ونستثمرها لصالحنا ، أو نفجرها أو نستفجرها لصالحنا ، ثم الأرض ذلول لنا ، لا ليّنة لا نتماسك عليها ، ولا صعبة لا نقدر على حفرها وزرعها ، ولولا أن الله تعالى جعلها ذلولا لما أمكنت من التصرف على ظهرها ، ولا مثبت قدم عليها ، ولا مسرح نعم فيها ، سبحان الخلاق العظيم!
(جَعَلَ لَكُمُ) : أما كانت الأرض قبلنا ذلولا؟ وولادتنا نحن الأناسي من آدم ليست إلا زهاء مائة قرن ، والأرض تعيش وتعيّش العائشين عليها منذ ملايين السنين!؟
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ٢٩ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3058_alfurqan-fi-tafsir-alquran-29%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
