خلى عنهم لا يخشاه ، أو لا كما يخشاه عند الناس ، ومنهم من يخشاه في الغيب إخلاصا في الخشية ، ثم قد لا يخشاه في الناس ، زعم أنه مزيد في الإخلاص! ومنهم من يخشاه في الغيب أكثر مما يخشاه علانية ، ومنهم من يعكس أمر الخشية هذه وهم الأكثرون ، ومنهم من يخشاه في الغيب والشهادة على سواء ، فلا يفرق له حضور الناس وغيبهم ، وهؤلاء هم الأقلون عددا ، وهم المعنيون هنا ، وإن خصت خشيتهم بالغيب هنا بالذكر ، لأنه الأصل فيها ، ثم من سواهم في هدى أو ضلال ، مهما اختلفت درجاته أو دركاته!.
(إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ) وهو غيب ، بغيب عقولهم ، وفي غيب عن الناس (لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ) : مغفرة لرفع ما ربما يعرضهم من خطأ وغفلة ، ودفع ما ربما يقصدهم ولمّا ، مغفرة دون عذاب ، ولأنهم تبنّوا حياتهم من خشية الرب ، وهي من أكبر كبائر الحسنات اللاتي يذهبن السيئات : (إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً) وأجر كبير لموقفهم هذا ـ الكبير.
(وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ) :
أسروا قولكم : مع ربكم ـ في ذكره ودعائه وعبادته ، أو في معصيته ، أو اجهروا به ، فهما على سواء لربكم : (إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ) فالقول إبداء لما في الصدر ، والله عليم بذات الصدور ، أكثر مما يعلمه ذوات الصدور من أنفسهم.
فهل يجهر المؤمن بقوله لكي يعلمه الله؟ فلا يصلح هكذا جهر! أم يجهر لكي يتبعه غيره فيشاركوه في عبادة ربه؟ فنعم ونعما هو! أم هل يسر الكافر بقوله لكي يخفيه عن الله ، فالله عليم بذات الصدور! (فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى) فكيف بالجهر ، وتقديم السر هنا
يوحي بما يروى أن الكفار كانوا يسرون من وقيعتهم
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ٢٩ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3058_alfurqan-fi-tafsir-alquran-29%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
