والجواب : إن كانت هناك استحالة فإنما هي بالاختيار : إنهم تمادوا في الطغيان حتى كأنهم أصبحوا طغاة في ذواتهم بما كسبوا : (كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ) فمن رين على قلبه لا يستطيع السمع والعقل بما كسب ، ومن العقوبات الإلهية يوم الدنيا انه يزيغ قلوب من زاغوا : (فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ).
(إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ) :
الخشية خوف يشوبه تعظيم ، وأكثر ما يكون عن علم بما يخشى منه ، ولذلك خص بها العلماء بالله : (إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللهَ) (٣٣ : ٣٩)
والخشية العالمة من نتائج العقل الفعال ، فأصحابه يخشون ربهم ، يخشونه لما عقلوه وعلموه من ربوبيته لهم ولعالمهم ، وكلما ازدادت المعرفة هذه ازدادت الخشية ، وكلما ازدادت الخشية ازدادت المعرفة ، تناصرا في الزلفى ، ابتداء من العقل.
(بِالْغَيْبِ) : غيب الرب ، فرغم أنه غيب عن الإحساس يخشونه ، لأن عقلهم عنه وعلمهم به جعلهم كأنهم يرونه : «اعبد ربك كأنك تراه وإن لم تكن تراه فإنه يراك».
و (بِالْغَيْبِ) : غيب العقل ، فبه يعرف الرب ويخشى ، فهو لا يعرف ويخشى بالحس «فلا يحس ولا يجس ولا يمس ولا يدرك بالحواس الخمس» وإنما يعرف بالعقل وبأصحابه من الفطرة والصدر والقلب ، عقل معرفة لا عقل إحاطة واكتناه ذات أو صفة.
و (بِالْغَيْبِ) : غيبا عن الناس ، بينه وبين ربه ، ولكي تسلم خشيته عن الرئاء ، طالما يخشاه في الناس أيضا ، فمن الناس من يخشى ربه عند الناس ، وإذا
(تفسير الفرقان ـ ج ٢٩ ـ م ٣)
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ٢٩ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3058_alfurqan-fi-tafsir-alquran-29%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
