الإنسان كإنسان ، إنها سمعه من العقلاء ، وعقله في نفسه ، ولتصبح حياته في ازدواجية مشرّفة لا يضل فيها ، وأما إذا حصر سمعه بالمضلات ، وعقله بالملهيات والشهوات فهو السعير في نفسه ، وإنما سعير النار صورة واقعية عن سعيره :
(فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ) : كما سحقوا كيانهم الإنساني بسحق عقولهم ومحق فطرهم : بعّدوا عقولهم عن السمع ، وأسماعهم عن العقل ، فحرموا الحياة حق الحياة ، فهم يوم القيامة عن حياة الجنة مسحوقون : بعيدون.
(بِذَنْبِهِمْ) : وهو هنا عدم عقلهم ، سواء عن سمعهم أو سواه ، فأكبر الذنوب عدم استعمال العقل ، لا عدمه ، فإنه الجنون الاضطراري ، والتكليف خاص بالعقلاء ، وإنما الذنب هو الجنون الاختياري ، للعاقل الذي لا يستعمل عقله حتى يصبح كأنه مجنون ، في تفكيراته وتصرفاته الفوضى.
ايقاظان :
قد يستند إلى هذه الآيات في انحصار عذاب النار بالكفار المكذبين للنذر : (كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ .. فَكَذَّبْنا .. إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ) حيث العموم المستغرق لأهل النار في المكذبين الكفار! وهذا خلاف الآيات الشاملة لغيرهم ، أو الخاصة بمن سواهم من المتخلفين!.
والجواب نجده في الآية المسبقة : (وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ ..) فهم المعنيون ب (كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ ..) لا كل أهل النار ، وإثبات النار لهؤلاء الكفار لا ينفيها عن سواهم ممن يسحق النار ، وإنما اختص المكذبون بالذكر هنا لأنهم صلاء النار ووقودها ، وهم الخالدون فيها أبدا ، دائمون فيها ما دامت.
وقد يستند الجبرية هنا ب «لو» ـ الدالة على امتناع مدخولها ـ على أن سماعهم للحق وعقلهم عنه كان من المستحيل : (لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ) فكيف يلامون ويلومون أنفسهم؟
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ٢٩ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3058_alfurqan-fi-tafsir-alquran-29%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
