وعلى ضوء هذا التنبؤ من نبينا العظيم وكما تتحمله الآية ، يرجع ضمير التأنيث في «جعلناها» إلى مثلث اصول الحياة : الماء والزرع والنار ، فهي متاع للمقوين :
أغنياء وفقراء ، أقوياء وضعفاء ، الكائنين في قواء : مفازة لا تفوز بالحياة إلا بها ، وإلا فهي قفر ، إذ لا ماء فيها ولا نار ولا كلاء ، ومن ثم فلا حياة فلا إنسان.
فمتاع هذا المثلث ظاهر ، فما هي تذكرة الزرع والماء؟ إنهما تذكران إمكانية المعاد ، الذي يضم هذه الأصول في المعاد!.
ولأن الله يذكّركم بالقيامة وطامّتها قبل أن تأتيكم ، ويبرهن لكم إليها بما لا مزيد لها قبل أن تأتوها ، وينعم عليكم بوافر النعيم في الاولى لكي تتمتعوا بها وتقدموا للأخرى :
(فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ) : نزّه ربّك العظيم عما ينافي الربوبية العظيمة ، نزّهه مستعينا باسمه العظيم (١) ، فربك عظيم واسمه عظيم لأنه يدلك على عظيم ربوبيته ، ولكنك لا تستطيع تسبيح ذاته بذاته ، إذ لا تحيط به علما ، فسبّحه باسمه العظيم وكل اسمه عظيم. فقل : (سبحان ربي العظيم) (٢) لا فحسب تسبيحا في المقال ، فكذلك في الإيمان والحال والأعمال ، أن تصبح حياتك تسبيحا باسم ربك العظيم ، أو تتحول إلى اسم الرب العظيم ، كما وأن أولياءه المكرمين هم من أسماء الله الحسنى ، يدلون على الله ويقربون إلى الله.
(فَسَبِّحْ) ربك العظيم (بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ) عن الفوضى اللاغاية الصالحة من الخلق ، العابثة بهم ، فلا يحشرهم للحساب الجزاء ، وسبحه باسمه عن الحساب
__________________
(١) على أن الباء في «باسم» للاستعانة كما هو الأظهر دون تكلف زائد. فالقول انها زائدة قول زائد ، وغيره بمعنى غيره لا يلائم الآية.
(٢) من لا يحضره الفقيه ، والمجمع ـ صح عن النبي (ص) أنه لما نزلت هذه الآية ، فقال (ص) : اجعلوها في ركوعكم.
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ٢٨ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3057_alfurqan-fi-tafsir-alquran-28%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
