هنا تبرز حقيقة ناصعة من طيات هذه الآيات ، أن المعاد في المعاد هو مثل الميت ، لا عينه فإنه محال ، ولا غيره ، أو مع أجزاء غيره فإنه خلاف العدل ، وهو هرج ومرج ، فالبدن المعاد هو هو أصلا وجوهرا ، وليس هو هو وزنا وصورة ، فإنه يخلق مرة اخرى في خلق جديد : وهذا الخلق الجديد هو مثل العتيق العتيد مماثلة الشيء لنفسه في حالتين : (وَقالُوا أَإِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً. أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ قادِرٌ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ ...) (١٧ : ٩٩) (أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ) (٥٠ : ١٥) فلا إعادة للمعدوم هناك ، وإنما نشأة اخرى وخلق جديد هو مثل القديم ، خلقا وجوهرا.
وترى أنه يخلق الروح من جديد ، كما يخلق البدن من جديد؟ أقول أجل ، ولكن أين جديد من جديد ، فجديد البدن هو صورة جديدة عما كان بدنا دون روح ، ولكن جديد الروح ليس إحياءها من جديد ، وإنما إحياءها عن صعقتها وإغماءها وإغفاءها إلا من شاء الله : (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللهُ ، ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ) (٣٩ : ٦٨) : صعقة الأحياء بالحياة الدنيا ، وصعقة الأحياء بالحياة البرزخية ، فمن لم يمت حتى الصعقة ليست له حياة برزخية ، ومن هو ميت حينها وحي برزخيا ، يصعق : فلا هو حي ولا هو ميت ، برزخ بين الموت الفوت والحياة البرزخية ، وهو آخر رمق من الحياة.
ففي الخلق الجديد تحيى عن الصعقة الروح نفسها ، ويخلق البدن مرة اخرى ، فيصدق تبديلهم أمثالهم ، حقيقة في أبدانهم ، وإعادة كاملة الحياة إلى أرواحهم ورجعها إلى أبدانها.
وهذا نزر قليل من إنشائنا فيما لا نعلم ، ندرسه عن النشأة الاولى ، وعما يوحيه الله هنا : (... نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ).
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ٢٨ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3057_alfurqan-fi-tafsir-alquran-28%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
