(أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ ...) (١) رؤية اخرى في ما تمنون تجعلكم تصدقون بيوم الدين ، فلقد تسلل المني من أجزاء البدن ، التي هي كلها حية حياة الإنسان ، وبانفصالها عنها تموت عن هذه الحياة ، وباستقرارها في الرحم وتنقلاتها من حالة إلى اخرى ترجع إليها في صورة إنسان آخر حياة اخرى تماثل الاولى ، فكما الله يحيي هنا ويميت ثم يحيي مرة اخرى ، كذلك وأحرى في الحياة الاخرى : (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ)!
وإذا كانت الحياة بتقديرها من الله ، فهل الموت وهو انتهاء دور من الحياة ليس بتقدير الله؟ ولكي يكون مسبوقا لا يقدر على إعادتها :
(نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ. عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ. وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ).
فهو السابق في الإحياء ، ثم الإماتة ، فكيف يكون مسبوقا عاجزا عن تحقيق ما قدره من آجال ، دون تقدم لها ولا تأخر : (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ) (٨ : ٥٩) (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا ...) (٢٩ : ٤) (ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ) (١٥ : ٥).
ام كيف يكون مسبوقا على تبديل أمثالهم وإنشاءهم فيما لا يعلمون؟
إنه سابق هنا وهناك ، وفي كل تحقيق وتبديل وإنشاء كما يشاء! دون سبق عليه في سباق استباق الآجال ، ولا سباق تناثر الأبدان بعد تحقق الآجال ، ولا سباق ضلال الأجزاء وتناحرها ، ولا سباق أصل الموت ، فلا تتغلب الأسباب وتسبق مسبب الأسباب ، دون تحقيق ما توجّب ووعده من تبديل الأمثال والإنشاء الجديد ، فليس الموت خارجا عن تقديره ، أو انه بتقدير غيره ، حتى يكون مسبوقا في حوادث الموت ، فتفلت عنه أزمة الاحياء بعد الموت ، بل هو
__________________
(١) الفاء هنا وفيما بعده تفريع للأدلة الفرعية للمعاد على دليل الأصل «نحن خلقناكم».
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ٢٨ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3057_alfurqan-fi-tafsir-alquran-28%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
