سابق كافة الأسباب في الحياة وفي الموت ، فكذلك الإحياء بعد الموت ، دون أن تسبقه الأسباب التي هي من أمره (وَاللهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ ، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ).
(نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ ... عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ) (١) تقدير صالح يخلفه الجزاء بعد الإنشاء ، فالموت الفوت الذي لا نشأة بعده ، انه موت الفوضى ، لا يتأتى من الحكيم العليم ، وإنما هو التقدير الناحي منحى الإنشاء في خلق جديد.
وترى ماذا يعنى تبديل الأمثال؟ المبني عليه تقدير الموت؟ هل انه تبديل كل سلف بخلفه : (... إِنَّا لَقادِرُونَ عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ) (٧٠ : ٤٢) : نبدلهم خيرا منهم يخلفهم؟ فليس تقدير الموت ينحو إلى هذا التبديل ، وإنما هو تقدير الحياة والموت مع بعض ، على أنه تبديل بالأمثال لا تبديل الأمثال.
او انه تبديل كل منهم بمثله في النشأة الاخرى ، تبديلا بنفسه في صورة وحالة أخرى ، لا تبديلا ببديل غيره : (نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ وَإِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلاً) (٨٦ : ٢٨) : بدلنا أمثالهم تبديلا تجهلونه : (وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ) وإن كنتم تعلمون أصل الإنشاء درسا من النشأة الاولى : (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ)؟
(أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ) (٢٦ : ٨١) ف (نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ ... عَلى أَنْ نُبَدِّلَ
__________________
(١) «على أن نبدل» متعلق ب : قدرنا ومسبوقين ، فتقدير الموت هو على الإنشاء الآتي ، وليس مسبوقا على الإنشاء الآتي ... قدرنا ... على أن نبدل ، وما نحن بمسبوقين على أن نبدل ... ومما يبرر الإتيان ب «على» للمتعلق الأول «قدرنا» وإن كان في الثاني «مسبوقين» أيضا وجه في «على» هو التدليل على عدم المغلوبية ، ف «على» إثباتا تدل على الغلبة ، ونفيا تدل على عدم المغلوبية (ما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ) على أمرنا (إِنَّ اللهَ بالِغُ أَمْرِهِ) تأمل.
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ٢٨ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3057_alfurqan-fi-tafsir-alquran-28%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
