فهل من مجيب ، ولو من عباقرة الأخصائيين في علم الجنين؟ اللهم كلا! ولقد مضت عشرات القرون حتى كشفنا أخيرا عن النزر القليل الضئيل من كيان المنى ، وكيف يمنى؟ ومن أين يحمل؟ وماذا يحمل؟ وماذا يحمّل (١)؟
فليس دورك أنت إلا أن تشتهي فتمني ، ولا صاحبتك إلا أن تحمل المني ، ثم تنقطعان عن كل صلة وعملية أو محاولة إلا أخذ الحائطة ألا تجهض ، ومن ثم فسائر الصنع وكلّه للخلاق العليم ، وكما صنع المني مما صنع ، وأنت لا تعلم منه كثيرا ولا قليلا ، إلا زهيدا ضئيلا على ضوء العلم إن كنت من أهله (أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون)؟ : المني منيا ثم نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاما ، ثم كسوه لحما ، ثم إنشاءه خلقا آخر ، أنتم أو نحن؟!
(بل أنت يا رب) (٢).
وقد يتحسب الناكرون ان سنة التكوين جرت على خلق الإنسان من مني ، ولا توالد فلا مني يوم القيامة يمنى حتى يخلق مرة اخرى! والجواب ان خالق الإنسان من مني يمنى ، قادر أن يخلقه من حالة اخرى ، وكما خلق الإنسان الأول ولا مني يمنى ، فإذ تصدقون أنه الخالق في الصورتين بمني ودون مني ، فما يمنعكم من تصديقه في خلقه مرة اخرى ، فآية الخلق العام :
(نَحْنُ خَلَقْناكُمْ ...) للتدليل على إمكانية ولزوم المعاد ، وآية (ما تُمْنُونَ ...) دليلا على عدم انحصار خلقه في كيفية خاصة ، فإنه الخالق على أية حال : يخلقكم في آخر حال كما بدأكم أول مرة (كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ).
فهذه رؤية ، وإلى رؤية اخرى :
__________________
(١) راجع من سورة العلق ص ٣٦٣ ـ ٣٦٤ الجزء الثلاثين.
(٢) الدر المنثور ٦ : ١٦٠ ـ اخرج جماعة عن حجر المرادي قال : كنت عند علي (ع) سمعته وهو يصلي بالليل يقرء فمر بهذه الآية (أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ) قال : بلى أنت يا رب.
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ٢٨ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3057_alfurqan-fi-tafsir-alquran-28%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
