ومما يدفعهم إلى الترف إصرارهم على الخلف والنقض العظيم : (وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ) فالحنث هو الخلف وهو النقض وهو الميل عن الحق إلى الباطل ، والقول غير الحق ، والذنب ، فالحنث العظيم هو العظيم من كلّ ، ولا أعظم من نكران وجود الله ، والشرك بالله ، وتكذيب رسالات الله ، ونكران يوم الله.
ان حنث نكران القيامة هنا مفرد بالذكر ، ولأن الأصل في نكران سواه إنكاره لا سواه ، ولكي يخلصوا عن عبء التكاليف الإلهية.
فنكران الالوهية الحقة حنث عظيم بكل معانيه الخمسة : فهو خلف للفطرة التي فطر الله الناس عليها ، ونقض لميثاق الفطرة وحكم العقل ، وميل عن الحق الذي تتوفر له كافة البراهين ، إلى الباطل الذي ترفضه كل البراهين ، فهو قول بغير حق ، وذنب عظيم لا أعظم منه ، وكما يتلوه متفرعا عليه حنث نكران الرسالات ونكران يوم القيام.
هؤلاء المترفون ، كان حياتهم الترف ، والإصرار على الحنث العظيم ، ومنه نكران اليوم العظيم : (وَكانُوا يَقُولُونَ أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ. أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ. قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ).
تقوّل عن استبعاد وبكل إصرار واستبداد : (أَإِذا مِتْنا) وصرنا ترابا ، ثم مضى زمن بعيد عن الكينونة الترابية : (وَكُنَّا تُراباً) فبعد هذه المدة وهذا التحول (أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ) كما كنا من قبل : تنكّر للبعث المؤكد المشار إليه باللام (ل) تأكيدا للنفي ، مقابلة الإصرار بالإصرار! (أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ) الذين هم أبعد منا زمنا ، فهم في أمر مريج من ثالوث الاستبعاد : بعدين زمنيين بعد بعد أصل البعث (١).
__________________
(١) اقنومه الأول الموت والثاني الكينونة الترابية الماضي عليها زمن يعبد لهم. والثالث لمن هو أبعد منهم زمنا : آباؤهم الأولون.
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ٢٨ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3057_alfurqan-fi-tafsir-alquran-28%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
