يَقُولُونَ أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ) :
ثالوث الكفر بالله وبرسالات الله وبيوم الله.
فالمترف هو الذي أبطرته النعمة وأطغته ودللته ، فأخذ من شهوته فيها مداها وانغمس فيها منتهاها ، فليس هو كل ذي نعمة ولا كل طاغ دون نعمة ، وسواء أكانت نعمة المال التي أغفلته ، أو نعمة القوة أو الجمال التي ألهته ، أو أية نعمة من شأنها الإبطاء والإطغاء ، فجماع هذه النعم ظرف لجماع البطر والطغيان ، ثم وكل على حسبه.
فالفقير الذي لا يجد مالا ولا مجالا لتحقيق آمال من قوة أو جمال ، إنه مهما كان كافرا لا يصل إلى قمة الكفر والطغيان ، اللهم إلا هامشا للطغاة المترفين ، فهو أيضا من المترفين ، إذ أترف في نعمة العقل الداعي إلى عبادة الرحمن ، إلى نقمة الطغيان ، وغرته هؤلاء بما يعدونه ويؤتونه من تافه الأنعام ، فالترف له دركات ، وكما الخروج عنه درجات ، والمترفون بدركاتهم من أصحاب الشمال فهم في النار ، وسواهم بدرجاتهم من السابقين أو أصحاب اليمين فهم في الجنة.
هذا ، ولكن الترف الذي يجعل صاحبه طرفا للسابقين وأصحاب اليمين ، هو ذروته لأصول الضلالة والطغيان ، وقد ينجو الهامش ولو بعد زمان وكما يلمح به القرآن :
(وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ) (٣٤ : ٣٤) (وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ) (٤٣ : ٢٣) هذا وكما انهم المعذبون الأصول ، والسبب الرئيسي للعذاب (وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً) (١٧ : ١٦) فأمر الله الموجّه إلى المترفين غير ما يوجه إلى غير المترفين ، ولأنهم أولوا نعمة وقوة ، فتكاليفهم أثقل ، وعذاب التخلف عنها أعضل.
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ٢٨ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3057_alfurqan-fi-tafsir-alquran-28%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
