ومهما كان الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم ذكرا ، ترى أنه نازل من السماء؟ (قَدْ أَنْزَلَ اللهُ) الجواب أن الله ليس في السماء حتى يكون النازل منه نازلا من السماء ، مهما كان البعض من رحماته المادية نازلة منها ، وإنما الرسالة الإلهية بما أنها من الله لا سواه ، وأن الله ينزلها عن مكانتها العليا لحدّ يفهمها المكلفون ـ أيا كانوا ـ لذلك تعتبر نازلة من الله ، وكما القرآن ذكر نازل منه (وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ) : فالقرآن لدى الله في العلم الام عند الله ، علي عن نيل الأفهام ، حكيم عن هذه التفاصيل والإيضاحات ، فهو هناك ليس قرآنا يقرء (إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) فالله أنزله عن علوّه وحكمته وجعله مقروا معقولا.
كذلك الرسالة المحمدية ليست إلا القرآن ، فما كلم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أحدا قط بكنه عقله ، وما عاشر وواجه أحدا بعلوّه ، وإنما كسائر البشر ، موضحا لهم رسالات ربه هاديا ومبشرا ونذيرا ، وداعيا إليه بإذنه وسراجا منيرا.
فالرسول مهما كان بقالبه أرضيا ، فهو بقلبه سماوي إلهي يصدر عن وحي ، وهو الذكر النازل ، لا جبريل وإن كان هو أيضا ذكرا ، ولكنه ليس نازلا إلينا ، ولا يتلو آيات الله ، علينا ، وإنما الى الرسول وعليه ، والنص (قَدْ أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللهِ) :
ذكر نزل عن غموضه ورموزه ، لحدّ يسمعه ويقرأه ويراه ويفهمه إنسان الأرض ، وكما يعرفه ملائكة السماء ، معروف في السماوات والأرض.
(ذِكْراً رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللهِ مُبَيِّناتٍ) لا خافيات ولا مخفيات ، إنما مبينات لما يتطلب البيان ، لكيلا يكون لله على الناس حجة بعد الرسل (لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ) فهناك ظلمات راسبة فيهم رغم إيمانهم ، فالرسول يخرجهم بتلاوة الآيات ـ وهي اتبّاعها وإتباعها ـ يخرجهم من ظلمات العقائد والأوهام ، وظلمات الشكوك والأفهام ، وظلمات الأقوال
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ٢٨ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3057_alfurqan-fi-tafsir-alquran-28%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
