(وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ) (١) بعد ما اتقاه بالمستطاع دون بتل ولا فشل (فَهُوَ حَسْبُهُ) عما سواه من الأسباب ، فإنه مسبّبها ومالك أمرها (إِنَّ اللهَ بالِغُ أَمْرِهِ) ـ و (غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) ـ ولا أمر : من الأشياء أو الأمور ، أو الأوامر ، إلا صادرا عنه وفاعلا باذنه ، فهو بالغ أمره تشريعا وتكوينا ، بلا قصور ولا تقصير ولا فتور ولا تقتير ، فليس بحاجة في إنفاد أمره إلى أسباب ، وإنما الأسباب بحاجة إليه في كيانها وآثارها ، فهو البالغ للأمور كلها لا سواه ، وهو الغالب عليها لا سواه ، فعليه التكلان وبه المستعان لا سواه ، ولكن (قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً) : بمقداره ، وبزمانه وبمكانه وبملابساته ونتائجه وأسبابه ، دون صدفة ولا فوضى : (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ) (٥٤ : ٤٩) (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ)
__________________
ـ يقول عند صباحه ومسائه (لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ. فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) فلما ورد عليه الكتاب قرأه فأطلق الله وثاقه فمر بواديهم التي ترعى فيه إبلهم وغنمهم فاستاقها فجاء بها إلى النبي (ص) فقال يا رسول الله (ص) إني اغتلتهم بعد ما اطلق الله وثاقي فحلال هي أم حرام؟ قال (ص) : بل حلال ، إذا شئنا خمسنا ، فأنزل الله (وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللهَ بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً).
(١) معاني الأخبار للصدوق (ره) باسناده عن أحمد بن أبي عبد الله قال : جاء جبرئيل إلى النبي (ص) فقال له النبي ص : يا جبرئيل! ما التوكل؟ فقال : العلم بأن المخلوق لا يضر ولا ينفع ولا يعطي ولا يمنع واستعمال اليأس من الخلق فإذا كان العبد كذلك لم يعمل لأحد سوى الله ولم يرج ولم يخف سوى الله ولم يطمع في أحد سوى الله ، فهذا التوكل.
وفي الدر المنثور ٦ : ٢٣٤ عن عمر بن الخطاب قال : قال رسول الله (ص) : لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا.
وفيه عن ابن عباس رفع الحديث إلى رسول الله (ص) قال : من أحب أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله ومن أحب أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يده ومن أحب أن يكون أكرم الناس فليتق الله.
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ٢٨ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3057_alfurqan-fi-tafsir-alquran-28%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
