هذا ، ولكنه ليس يكتفى بتقوى الله من الرزق المحتسب الواجب تحصيله بالسعي ، لكي يكتفي بها عن طلب الرزق (١) ، وإنما الله يطمئن المتقين أنهم لا ينقصهم ما قدّر لهم بالتقوى ، التي تحول بينهم وبين شيء من الرزق المحتسب ، فان الله يبدلهم بغير المحتسب ، وفيما إذا اقتضت التقوى ترك الطلب ، فحشرت الأوقات كلها في سبيل التقوى الواجبة ، كالجهاد ، وطلب العلم ، والدعوة إلى الله ، فهنا لك يكون الرزق كله من حيث لا يحتسب (٢) وقد قال الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم : «لو أن الناس كلهم أخذوا بها لكفتهم» و «اتخذوا تقوى الله تجارة يأتكم الرزق بلا بضاعة ولا تجارة» ثم قرء الآية (٣).
__________________
(١) الدر المنثور ٢٣٢ ـ أخرج ابو يعلى وابو نعيم والديلمي من طريق عطاء بن يسار عن ابن عباس عنه (ص).
(٢) القمي ـ عن أبي عبد الله (ع) في الآية : قال : هؤلاء قوم من شيعتنا ضعفاء ليس عندهم ما يتحملون به إلينا فيسمعون حديثنا ، ويقتبسون من علمنا ، فيرحل قوم فوقهم وينفقون أموالهم ويتعبون أبدانهم حتى يدخلوا علينا فيسمعوا حديثنا فينقلوه إليهم فيعيه هؤلاء ويضيعه هؤلاء فأولئك يجعل الله عز وجل ذكره لهم مخرجا ويرزقهم من حيث لا يحتسبون (نور الثقلين ٥ : ٣٥٥).
أقول : هذا من أبرز مصاديق الآية دون اختصاص لها به.
وفيه باسناده عن أبي جعفر الخثعمي قال : لما سير عثمان أبا ذر إلى الربذة شيعه أمير المؤمنين (ع) وعقيل والحسن والحسين (ع) وعمار بن ياسر (رض) فلما كان عند الوداع قال أمير المؤمنين (ع) : يا أبا ذرّ! إنما غضبت لله عز وجل فارج من غضبت له ، إن القوم خافوك على دنياهم وخفتهم على دينك فأدخلوك على الفلا وامتحنوك بالقلاء ، والله لو كانت السماوات والأرض على عبد رتقا ثم اتقى الله جعل له منها مخرجا ، لا يؤنسنك إلا الحق ولا يوحشنك إلا الباطل.
(٣) الدر المنثور ٦ : ٢٣٣ ـ أخرجه الطبراني وابن مردويه عن معاذ بن جبل عنه (ص). وقد ورد في سبب نزول الآية أحاديث عدة نذكر منها التالي :
الدر المنثور ٦ : ٢٣٢ ـ أخرج الخطيب في تاريخه من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس في الآية ـ قال : نزلت هذه الآية في ابن لعوف بن مالك الاشجعي وكان المشركون أسروه وأوثقوه وأجاعوه فكتب إلى أبيه أن ائت رسول الله (ص) فاعلمه ما أنا فيه من الضيق والشدة ، فلما أخبر رسول الله (ص) قال (ص) له : أكتب إليه وأخبره ومره بالتقوى والتوكل على الله وأن ـ
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ٢٨ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3057_alfurqan-fi-tafsir-alquran-28%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
