وكما أن التقوى الواجبة هي المستطاعة الحقة ، كذلك مخلفاتها من سماع الحق وطاعته وإنفاق الخير في سبيله دون شح وبخل :
(وَاسْمَعُوا) من الله ورسوله (وَأَطِيعُوا) الله ورسوله (وَأَنْفِقُوا خَيْراً) في سبيل الله ، فلا يرجع إلا (لِأَنْفُسِكُمْ) (وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ ... يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ) (٢ : ٢٧٢) (فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ) ـ والله غني عن عباده ـ فسبيل الله هنا وهناك ليست إلا سبيل مصلحة الإنسان ، الحقيقية ، على ضوء وحي الله ، فهي سبيل الله لأنها بأمر الله ودلالته ، وهي سبيل الإنسان لأنها بفعله ومصلحته ، وإن كانت بتوفيق الله ، فإنفاق الخير وإن كان إفناء للمال حسب الظاهر ، ولكنه نفقة مباشرة لذواتهم وفيها مزيد هو وعد الرحمة الإلهية لمن أنفق خيرا لنفسه.
والنفس الإنسانية وأضرابها ، هي دائما شحيحة في الإنفاق ، فمفلجة صاحبها عن سلوك سبيل الله ، إذا فلا فلاح إلا بوقاية شح النفس : (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) ... «يوق» لا «يقي» لأن الواقي ليس الإنسان فحسب ، كما ليس هو الله دون سعي من الإنسان ، فمبدء الوقاية في توقّي النفس وسعيها أن تقي شحها ، وهي لا تكفي! ثم الله يتمم له الوقاية : (الَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ) (٤٧ : ١٧) فلنسأل الله تعالى كما سأله الطاهرون (اللهم قني شح نفسي) (١).
إلى هنا أمر المؤمنون بالإنفاق خيرا لأنفسهم ، ومنعوا عن شح النفس ، ثم نرى تزويدهم رغبة في الإنفاق برحمة وعناية تتخطى التصور ، إذ يسمى إنفاقهم لأنفسهم قرضا حسنا لله فيعدهم المضاعفة! :
__________________
(١) القمي عن الفضل بن أبي مرة قال : رأيت أبا عبد الله (ع) يطوف من أول الليل الى الصباح وهو يقول : اللهم قني شح نفسي ، فقلت : جعلت فداك ما رأيتك تدعو بغير هذا الدعاء! فقال : وأي شيء أشد من شح النفس؟ إن الله يقول : (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ٢٨ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3057_alfurqan-fi-tafsir-alquran-28%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
