إن الزعم دائما كنية الكذب وزاملته ، سواء أكان خلاف الإعتقاد أو خلاف الواقع أو خلافهما ، والظن ـ إذا ـ لزامه ، إذ لا يركن الى أيّ دليل ، فهم يزعمون إحالة بعثهم «لن يبعثوا» وليس سنادهم في زعمهم إلا استبعادات ، فلا جواب إذن إلا تأكيد البعث قسما بربّ محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم : (قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ) فالتربية الإلهية الظاهرة في محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم الزاهرة بأخلاقه وتصرفاته وتفكيراته ، إنها دليل لا مردّ له أن ربه قادر على بعث هؤلاء (ثُمَّ) بعد بعثهم (لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ) : حسيّا وعلميا وجزاء وفاقا (وَذلِكَ) البعث والإنباء (عَلَى اللهِ يَسِيرٌ) إذ فعل ما هو أقوى منه وأولى كأن صنع محمدا وربّاه ، الذي يوازي صنع العالم كله وأعلى!.
ف (بَلى وَرَبِّي) ليس قسما خاويا عن الدليل ، مقابلة اللادليل باللادليل! وإنما تعليل لطيف واستدلال بأقربية الغائب (البعث) من الحاضر (واقع التربية المحمدية) بواقع رسالته الإلهية المبرهنة ، فليصدّق قوله عن الله ، فبعثهم أيسر على الله من صنع محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم ، وهو بشخصه الكريم هو العالمون أجمع وزيادات لا يعلمها إلا الله هذا ـ وكذلك ربوبيته العالمية تقتضي البعث للحساب ، فلولاه لكان تسوية بين المطيع والعاصي ، بل تفضيلا للظالم على المظلوم ، إذ لا نرى هنا انتقاما كما يجب ، فالظالم يظلم ويتبختر ، والمظلوم يظلم ويكسر ، فهل إن رب العالمين جاهل بما يحصل؟ أم عاجز عن الانتقام هنا؟ أم سوف يفصل بين عباده يوم الفصل؟ وهو الحق! وهذا مقتضى ربوبيته! (قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ..) وهو قدير بما تقتضي ربوبيته.
نرى دائما أن نكران وجود الله وتوحيده ، ونكران الرسالة والبعث ، لا يستند الى أي دليل ، ثم نرى الآيات البينات كيف تعالج ما يخالج في صدورهم من ظن وزعم ، بمختلف البراهين القاطعة : فطرية ، فكرية ، عقلية ، حسية واقعية ، ولكنهم ما كانوا (لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ) (٧ : ١٠١) و (عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ) (١٠ : ٧٤).
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ٢٨ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3057_alfurqan-fi-tafsir-alquran-28%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
